حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٤٨هذا الشخص الذي احتج على الرسول عندما قسم الغنائم وخرج عليه مارقاً من الدّين، وكلّ من يخرج من ضئضئه مارق مروق السهم من الرمية أي خارج منه بسرعة (1)، من دون فهم له وهو ما يدلّ على رغبة واضحة في ضرب هذه المجموعة المعارضة في الصميم من خلال ضرب الركيزة التي تعتمد عليها في معارضتها للدولة وللمسلمين وهي الدين. وهذا ما سيجعل لقب «المارقة) اللقب المفضّل عند خُصوم الخوارج، وسيزداد استعماله خاصةً بعد معركة النهروان.
تلك هي إذن معركة النهروان من حيث وقائعها ونتائجها العسكرية. فكيف كان
تأثيرها على الوضع وخاصةً على طرفي الصراع عليّ والحرورية؟
(2)
لم يكن الانتصار الساحق الذي حققه علي كافياً لاستئصال هذه المجموعة المعارضة والقضاء على الفكر الذي تحمله إذ ستعود الحركة من جديد، وسيكون لتحركاتها دور كبير في استنزاف قوة علي العسكرية وتشتيت أنصاره، بالإضافة إلى الشرخ العميق الذي ستحدثه بين الكوفيين وبينه. فالمعركة التي اضطرّ فيها السكان إلى قتل أبنائهم وإخوانهم وأقربائهم ليس من السهل نسيانها، وهو ما يظهر بوضوح من خلال موقف الكوفيين وتصرفاتهم مع عليّ. فلقد أصبحوا يماطلونه ويتلكؤون في تنفيذ أوامره إلى أن ضعف نفوذه، وصار يقول فلا يُلتفت إلى قوله ويدعو فلا يُستمع لدعوته وقد استغلّ معاوية هذا الوضع فكتف غاراته على أطراف دولة علي (3)، كما قد يكون حاول جلب وجهاء العراق إلى صفوفه (4). أما من جانب الحرورية فقد كان تأثير المعركة كبيراً وعميقاً على كل المستويات. فعلى المستوى العسكري مزّقت النهروان الخوارج وقضت على خيرة زعمائهم، وتركت أسوأ الأثر في نفوسهم وخصوصاً في نفوس الذين انسحبوا من المعركة إذ أحس أغلبهم بالندم لخذلانهم أصحابهم. وسيتجسّم هذا الاحساس في المستقبل القريب عبر سلسلة من التحركات ستقوم بها بعض العصابات وستكون بمثابة التكفير عن الذنب والانتقام من عليّ. وأنصاره. وستظلّ النّهروان طيلة الفترة المتبقية من خلافة علي السبب الرئيسي للخروج
والثورة.
كما امتد تأثير المعركة ليشمل المستوى الفكري حيث ستلعب النهروان دوراً كبيراً في تركيز المذهب الخارجي وتدعيمه في نفوس الحرورية وتجعلهم يتمسكون أكثر بمبادئه ويلتزمون بالدفاع عنها. كما أنّها ستخرج نهائيا من الحركة كلّ المتشككين ولذوي
(1) ابن، منظور لسان العرب المحيط،
،،
مج
11، ص
(2) البلاذري، انساب الأشراف، ج (3) تاريخ الطبري، ج 5، ص 133 - 135. . (4) البلاذري، انساب الأشراف، ج 2، ص
383.
383
372
48