حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٥٦لها، واقتصار بعض الرواة الآخرين، مثل اليعقوبي، على ذكر الحادثة واسم مرتكبها من دون الإشارة إلى علاقته بالحركة الخارجية (1)
(2)
عن
أما إذا اعتبرنا القول المنسوب للجرّاح كدليل على انتماء صاحبه إلى الخوارج باعتبار انفرادهم بتكفير عليّ، فإنّه لا يكفي وحده لإلقاء التهمة كاملة عليهم لأن الخوارج المقيمين في الكوفة لم يكونوا - رغم ارتفاع عددهم - شديدي التمسك بمبادئ الحركة، لذلك لم يخرجوا مع أصحابهم إلى النهروان وفضلوا العيش بسلام، ومن المستبعد أن يتحوّل موقفهم بصورة مفاجئة من المسالمة إلى التفكير في قتل الخليفة كما أن الجراح شخص مجهول الهوية لا يوجد ما يثبت انتماءه إلى الحركة الخارجية. هذا بالإضافة إلى أن أعداء الصلح في صفوف الجيش العراقي عديدون، ولعلّ الخوارج أقلهم رفضاً له لأن بقاء الحسن أو مجيء معاوية لا يغيّر الوضع كثيراً بالنسبة إليهم، فعداوتهم للحسن لا تقلّ عداوتهم لمعاوية. لذلك نستبعد أن يكون لهم دور كبير في هذه الأحداث، والأرجح أنّهم أقحموا فيها لتبرير ما قام به الحسن من خلع نفسه وتسليم الأمر لبني أمية أعداء أبيه والعراقيين عامة. ويمثل انتقال الحكم إلى بني أمية نهاية مرحلة هامة في تاريخ الدولة الإسلامية وفي تاريخ الحركة الخارجية بالخصوص لا بل يُمكن اعتبارها بمثابة المرحلة التأسيسية التي شهدت ميلاد الحركة وانطلاقتها الأولى على أيدي زعماء كبار عاشوا الفتنة من بدايتها ولعبوا دوراً فيها، فتكونت لديهم بعض الأفكار تحوّلت نتيجة التحكيم وما تلاه من أحداث إلى جملة من المبادئ ستكوّن الركيزة الأساسية التي ستقوم عليها النظرية الخارجية. ورغم أن أغلب هؤلاء الزعماء قد استشهدوا في أوّل معركة جمعتهم بعلي، فإنّ أفكارهم ومبادئهم ستظلّ حيّة، وسيتمسّك بها أصحابهم كما سيتمسّك بها بقيّة الخوارج، وسيحتل زعماء هذه الفترة مكانة متميّزة لدى كلّ أتباع الحركة ستتعزّز بمرور الزمن حتى تصبح أعمالهم وأقوالهم مرجعاً للجميع (3) تكتسي قيمة تضاهي قيمة أعمال كبار أصحاب الرسول وأقوالهم عند بقية
المسلمين.
- III
الحركة الخارجية في بداية الحكم الأموي أدى الصلح، كما رأينا سابقاً، إلى تنازل الحسن عن السلطة وانتقالها إلى معاوية بن أبي سفيان. وينتمي الخليفة الجديد إلى بني أمية أحد البيوتات العربية العريقة ذات النفوذ
SY
0215
(1) تاريخ اليعقوب، ج ص (2) كان عدد الخوارج في الكوفة حوالى ثلاثة آلاف لم يشاركوا في النهروان: البلاذري، انساب الأشراف،
ج
ص
0485.
(3) الجزء الحادي عشر من تاريخ مصنف مجهول لعله كتاب أنساب الأشراف وأخبارهم للبلاذري، طبعة
56
78
غريفزولد، 1883، ص