حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٥٧الكبير في قريش قبل الإسلام. ناهض أبوه الإسلام وقاومه إلى آخر لحظة، ولم يسلم معاوية بدوره إلى يوم الفتح. لكن تأخره في دخول الإسلام لم يمنعه من احتلال مكانة متميزة منذ الفترة النبوية إذ كان من كتاب الوحي، ثم شارك في الفتوحات الأولى زمن أبي بكر وولاه
عمر دمشق والأردن (1)، ثم ضمّ له عثمان حمص وقنسرين وفلسطين والجزيرة (2) دامت ولاية معاوية على الشّام عشرين سنة، وقد مكنته هذه الفترة الطويلة من اكتساب خبرة واسعة في الميدانين الإداري والسياسي، ومن فهم الواقع الشامي فهماً دقيقاً وظفه للحصول على ولاء وتأييد السكان وخصوصاً رؤساء القبائل وأصحاب النفوذ منهم. ولمّا قُتل عثمان بن عفان كان معاوية أوّل الرافضين الاعتراف بالخليفة الجديد عليّ بن أبي طالب، لكن من دون أن يجرؤ على المطالبة بالخلافة لنفسه لعدة اعتبارات أهمها افتقاده للأسبقية في الإسلام وشرف الصحبة وهي المقاييس المعتمدة في اختيار الخلفاء إلى ذلك الحين. ولذلك اكتفى بالمطالبة بدم عثمان المقتول ظلماً، وأخذ بيعة الشاميين على ذلك. وقد أدى هذا الموقف إلى نشوب حرب صفين التي انتهت بخدعة التحكيم وتشتت الائتلاف الذي كوّنه عليّ. وكان معاوية أوّل المستفيدين من ذلك، إذ انفرد بالشام، وانطلق منها للسيطرة على مناطق أخرى. وفي تلك الأثناء، حدث مقتل علي بن أبي طالب فانزاحت من طريق معاوية أكبر عقبة كانت تحول بينه وبين الوصول إلى الحكم، إذ تمكن بفضل حصوله على تنازل الحسن من أن يصبح خليفةً لكلّ المسلمين بعد أن كان خليفة للشّاميين فقط (3)
(4)
دخل معاوية الكوفة بعد الصلح مباشرة حيث بايعه النّاس (4). وتحققت بهذه البيعة وحدة الأمة من جديد وانتهت الحرب الأهلية التي مزقتها أكثر من خمس سنوات. وقد أطلق المؤرّخون في الفترة اللاحقة على تلك السنة: عام الجماعة)، تعبيراً عن نهاية حال الانقسام والتمزّق الذي كانت تشهده الأمة.
(0)
ويستثني الحديث عن وحدة الأمة والجماعة الخوارج الذين بقي العديد منهم خارج هذا الإجماع. وإذا كانت المصادر لا تذكر قبول خوارج الكوفة البيعة لمعاوية أو رفضهم لها باعتبار أن الرؤساء هم الذين ينوبون أبناء قبائلهم وعشائرهم في هذه العملية، فلا شيء يدلّ على أنّ من بينهم من عبّر عن رفضه للخليفة الجديد علانية. أما المجموعات الأخرى
(1) تاريخ الطبري، ج
،،،
(2) المصدر نفسه،
4
ج ص
289 421.
(3) بايع الشاميون معاوية خليفة في القدس في رجب سنة 40 هـ: تاريخ الطبري، ج
0164
171
(4) تاريخ الطبري، ج 5، ص (5) تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق أكرم ضياء العمري النجف، 1967، ج 1، ص 187؛ ابن كثير،
البداية والنهاية
ج
17