حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٥٨

المتكونة من الذين انسحبوا قبل معركة النهروان ولم يشاركوا في التحركات التي تلتها بالاضافة إلى الأربعمائة رجل الذين ارتلوا في المعركة وأمر علي بإدخالهم الكوفة ومداواتهم، فقد رفضوا الاعتراف بسلطة معاوية لأنّ موقفهم منه كان واضحاً وثابتاً منذ التحكيم فهو كافر ليس بينهم وبينه إلا السيف وهو موقف تبنّاه الجميع بما في ذلك المجموعات التي كانت في السابق متردّدة في محاربة علي بن أبي طالب، مثل فروة بن نوفل الذي تحرّك بأصحابه في اتجاه الكوفة بمجرد علمه بتنازل الحسن ومبايعة العراقيين معاوية (1). وهو التحرّك الذي سيكون ردّ الخليفة الجديد عليه تدشيناً لسياسة الدولة تجاه الخوارج والمعارضين عامة.

1 - الأمويون يتصدون للخوارج

كان قدوم فروة بن نوفل الأشجعي وأصحابه الخمسمائة من شهرزور إلى النخيلة أوّل ردّ فعل خارجي ضدّ الخليفة الجديد، تلاه قدوم عبد الله بن أبي الحوساء الطائي في ثلاثمائة من الذين اعتزلوا يوم النهر، وتولى أمر الجميع فروة بن نوفل استعداداً للمواجهة. وكرد على تلك التحركات قرّر معاوية استعمال القوّة ضدّ هذه المجموعة، وهو موقف يتناقض مع ما تذكره المصادر عن رغبته القوية في تجنّب الحرب وإراقة دماء المسلمين، ومع حرصه في تلك الفترة بالذات على جمع شتات الأمة وإعادة بناء وحدتها من خلال محاولته جلب مختلف القوى إلى صفوفه. وقد ظهر هذا الحرص بوضوح من خلال ما أبداه من مرونة في التعامل مع أصحاب علي الذين لم يبايعوه في البداية، وعلى رأسهم قيس بن سعد بن. عبادة ويُمكن تفسير مواقف معاوية المتباينة بالاختلاف بين المجموعتين: فابن سعد كان على رأس قوة عسكرية، ولذلك فإنّ إخضاعه بالقوة سيكون صعباً وسيكلف الدولة مزيداً من الخسائر البشرية بالإضافة إلى ما سيثيره من غضب في صفوف أصحاب علي في وقت يحرص فيه معاوية على جمع القلوب ورأب الصدع الذي أحدثته الفتنة؛ أما الخوارج فهم أقلية رافضة مبدئيا لأي شكل من أشكال التعامل مع السلطة الجديدة، وهي في نظر أغلب المسلمين خاطئة، ولذلك لن يكون لمحاربتها تأثير سلبي على الحكم الجديد. أرسل معاوية إلى فروة وأصحابه في البداية خيلاً من خيل الشام قدمت معه، فألحق بها الخوارج هزيمة نكراء جعلته يلتجيء إلى القبائل الكوفية ويكلّفها بمهمة القضاء على هذه المجموعة. كما حاول في الوقت نفسه إقناع الحسن بن عليّ بمساعدته في هذه العملية قبل الالتحاق بالمدينة. ولم يكتف معاوية بطلب المساعدة من القبائل بل أجبرها على الخروج وهددها بأن لا أمان لها ولا رزق حتّى تقضي على الخوارج، (2) وهي المرة الأولى التي

ص

،

من

177

(1) البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4، 163؛ تاريخ الطبري، ج. (2) تاريخ الطبري، ج 5، ص 166، البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4، ص 164.

،

58