حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٦٠حوثرة، وهو شيخ كبير على الخروج إلى ابنه في محاولة منه للتأثير على معنوياته ودفعه إلى الانسحاب وترك أصحابه (1). لكن حوثرة أصرّ على المواجهة فكانت هزيمته وقتل أغلب أصحابه.
ولعلّ ما يلفت انتباه متتبع هذه التحركات هو أولاً اقتصارها على المجموعات المنسحبة من النهروان والتي ظلت إلى تلك اللحظة مشتتة في الأرياف وعدم وجود ما يشير إلى مشاركة الخوارج المقيمين في الكوفة فيها، وهو ما يؤكد عدم حصول تحوّل في موقف هؤلاء رغم التغيير الذي طرأ على السلطة. أما ثانية هذه الملاحظات فتخص الكوفيين الذين أبدى العديد منهم حماساً في محاربة الخوارج. وإذا كنا نعتقد أن تهديدات معاوية وعداء بعض الكوفيين للخوارج بسبب موقفهم من علي قد لعبت دوراً في دفع هؤلاء إلى المشاركة في قمع الثائرين، فإنّنا لا نستبعد أن تكون الرّغبة الملحة في إنهاء الحروب والانقسامات والعودة إلى الوحدة قد ساهمت بدورها في دفع الكوفيين إلى مساعدة معاوية في القضاء فيديو على هؤلاء المعارضين، رغم يقينهم أنهم سيفقدون مع الحكم الجديد امتيازاتهم وسيفقد مصْرُهُم المكانة التي كان يتمتع بها في خلافة علي. وقد انتقد الخوارج موقف الكوفيين وعبر عن ذلك حوثرة بقوله: يا أعداء الله. أنتم بالأمس تُقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه، واليوم تقاتلون مع معاوية لتشدّوا سلطانه» (2)، واصفاً بذلك التحول في موقف الكوفيين من
معاوية.
بعد القضاء على هذه التحرّكات ولّى معاوية المغيرة بن شعبة الثقفي الكوفة، وعبد الله بن عامر البصرة، وعاد إلى دمشق التي أصبحت عاصمة الخلافة الإسلامية. إلا أن تحرّكات الخوارج لم تتوقف بعد عودة معاوية إلى الشام، بل زادت حدة في الكوفة والبصرة على حد سواء وهو ما جعل ولاة بني أمية يستخدمون أساليب متعدّدة في قمعهم. أ - سياسة المغيرة بن شعبة ودورها في توقف نشاط خوارج الكوفة: يُعتبر المغيرة بن شعبة الثقفي والي الكوفة الجديد من كبار الصحابة، إذ لعب دوراً بيراً في عهد الرّسول، وتولّى عدة مناصب إدارية في خلافة عمر بن الخطاب، واشتهر بقدراته الفائقة في الميدانين السياسي والإداري. ويبدو أن اختياره من قبل معاوية لا يعود إلى مركزه الإسلامي المتميز بقدر ما يعود إلى رغبة الخليفة الجديد في استغلال قدراته ومواهبه في إدارة شؤون الكوفة التي كان الوضع فيها في منتهى التعقيد يتطلب وجود وال قادر على السيطرة على مختلف القوى ذات النفوذ فيها. أما عن سياسة المغيرة وموقفه من الخوارج، فتذكر المصادر أن هذا الوالي أحب
(1) المبرد، الكامل، ص 57 البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4، 1/ 4، ص 165
60
Vo
(2) المبرد الكامل، ص