حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٦١

العافية، وأحسن في الناس السيرة، ولم يفتش أهل الأهواء عن أهوائهم، وكان يُؤتى فيُقال له إن فلاناً يرى رأي الشيعة وأنّ فلاناً يرى رأي الخوارج، فكان يقول: قضى الله ألا تزالوا الله مختلفين وسيحكم الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون» (1). وقد أطنب المؤرّخون اعتماداً على هذه الرّواية في الحديث عن لين المغيرة وتسامحه تجاه المعارضين. وذهب فلهوزن إلى القول إنه رجل متساهل لم يُبدِ حماساً في مواجهة المعارضين (3)، وفسّر الجميع هذه السياسة بكبر سنّ المغيرة وميله إلى الراحة والهدوء. إلا أنه لا يمكن تقييم سياسة المغيرة تجاه المعارضين وخصوصاً الخوارج منهم انطلاقاً من هذه الرواية فقط، بل يجب تتبع مختلف الأحداث التي شهدتها الكوفة خلال ولايته وتحديد موقفه منها. تحرك الحرورية في الكوفة مباشرة بعد تولية المغيرة، ولم تأتِ تحركاتهم في الحقيقة كرد فعل على تعيين الوالي الجديد بل مواصلة لسلسلة الانتفاضات التي انطلقت إثر وصول معاوية إلى السلطة. وينقل البلاذري مجمل هذه التحرّكات ويعطي تفاصيل مهمة عنها (3). بدأت تحرّكات الخوارج بانتفاضة فروة بن نوفل الأشجعي الذي قاد معركة النخيلة قبل أن ترجعه قبيلة أشجع بالقوّة إلى الكوفة. وتدلّ سرعة استئناف فروة لنشاطه على تمسكه بمحاربة الأمويين رغم المحاصرة الشديدة المفروضة عليه. وإذا كانت محاصرة أشجع الفروة لم تفلح في منعه من الخروج فالظاهر أنها ساهمت في إبعاد الأنصار من حوله ممّا جعل تحركه صغيراً أمكن للمغيرة القضاء عليه بسهولة (4)

ولم تقتصر محاصرة أشجع على فروة بن نوفل بل شملت خارجيا آخر هو شبيب بن بجرة، الأشجعي أحد المشاركين في عمليّة مقتل عليّ، رغم أنه لم يكن من الخوارج النشيطين مثل فروة. وقد تمثل عمل أشجع تجاه شبيب في طرده من الكوفة تنفيذاً لأمر معاوية (5). ولئن كان الهدف من عملية الإبعاد على ما يبدو معاقبة شبيب ودفعه إلى التخلّي عن الفكر الذي يحمله فإنّ النتيجة جاءت عكسية: فقد ثار شبيب بالقف قرب الكوفة واعترض الناس (6)، مما أجبر المغيرة على إرسال جيش للقضاء عليه. ويدلّ حزم قبيلة أشجع في التصدّي للخوارج من أبنائها على حرصها على تنفيذ أوامر

174.

(1) تاريخ الطبري، ج (2) فلهوزن تاريخ الدولة العربية، نقله وعلّق عليه محمّد الهادي أبو ريدة، وراجعه حسين مؤنس، القاهرة،

،1968

ص

11.11. 112.

(3) أهمل الطبري كالعادة تحركات الخوارج الصغيرة ولم يذكر منها سوى ثورة المستورد بن علّفة، كما أهملها

أغلب الرواة المتأخرين.

(4) البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4، صر

(5) المصدر نفسه

(6) المصدر نفسه،

ج

1/ 4،

ج 1/ 4

،

ص

ص

177

0166

0166

61