حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٦٥(1)
ما
وتعدّ هذه الانتفاضة آخر التحرّكات الخارجية المهمة في الكوفة، إذ لن يحصل بعدها سوى تحرّكين أحدهما هو عملية استشهادية تزعمها حيان بن ظبيان السلمي وجمعت الخوارج الذين قبض عليهم المغيرة وسجنهم، وثانيهما انتفاضة صغيرة قام بها حرّاش العجلي سنة 52 هـ (2)، وستصبح الكوفة بعدها معقلاً للشيعة إلى نهاية الحكم الأموي. هذه مجمل تحرّكات الخوارج في الكوفة، ونلاحظ من خلالها أن ما تذكره المصادر عن سياسية اللين التي سلكها المغيرة مع المعارضين لا تتفق مع ما قام به تجاه الخوارج. فهو لم يحاول مهادنتهم كما فعل مع شيعة عليّ، وكان موقفه منهم منذ البداية مجابهة العنف بالعنف، ولذلك لم يتردّد لحظة واحدة في محاربة الخارجين على السلطة بالشرطة والجيش. ولم يقتصر استعمال القوّة على الثائرين بل شمل حتى الذين بلغه أنهم ينوون الخروج مثل معين بن عبد الرحمن المحاربي وحيّان بن ظبيان السلمي وغيرهما، وهو يدلّ على أنّ المغيرة كان يقوم بمراقبة تحركات الخوارج داخل المصر ويتجسس عليهم ويُنزل عقوباته بهم تبعاً لما يصله عنهم من أخبار. وقد وصفت أشعار معاذ بن جوين الطائي هذا الوضع بالقول: ألا أيّها الشَّارُونَ قَدْ حَانَ لامرئ شَرَى نفسَهُ لِلّهِ أنْ يَتَرَحْلاً أقِمْتُمْ بدار الخَاطِئِينَ جَهَالَةٌ وکل امرئ مِنكُمْ يُصَادُ ليُقْتلاً فشَدّوا على القَوْمِ العداة فإنّما إقامَتَكُم للذبح رأياً مُضللا (3) ولعلّ أهمّ وأخطر ما قام به المغيرة هو استعماله شيعة علي ضدّ الخوارج العداوة التي كانت بينهم، وهو عمل استفادت منه الدولة الأموية كثيراً على المدى القريب
والبعيد.
مستغلاً
فعلى المدى القريب، حاصر المغيرة بأعماله الفكر الخارجي في الكوفة، وأسكت المعارضين الموجودين فيها من دون أن يكلف الدولة خسارة تُذكر. كما قضى في الوقت نفسه على بعض العناصر المعروفة بتشيعها لعلي مثل معقل بن قيس الرّياحي، فضلاً عن أنه شغل الكوفيين عن معارضة الدّولة الأموية وأعطاها بذلك الفرصة لتدعيم نفوذها.
(1) يختلف الرّواة في تحديد تاريخ هذا التحرّك إذ يجعله البلاذري في ولاية المغيرة على الكوفة. ويبدو من خلال السياق أنه وقع سنة 44 هـ وهي السنة التي خرج فيها حيان وأصحابه من سجن المغيرة بعد أن قضوا فيه سنة. أما الطبري فإنه يتفق مع البلاذري في القول إن حياناً وأصحابه بقوا في سجن المغيرة سنة لكنه يذكر تحركهم ضمن أحداث سنة 58 هـ. انظر تاريخ الطبري، ج 5،: 309 - 311؛ البلاذري،
ج
1/ 4، ص
172
أنساب الأشراف؛ (2) البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4،
ص
177
(3) البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4، ص 171؛ تاريخ الطبري، ج 5،
187.
65