حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٦٦أما على المدى البعيد فقد عمّق المغيرة الهوّة بين الخوارج والشيعة وأبعد إمكانية التقارب بين هاتين الحركتين لفترة طويلة، مجنّباً بذلك الدولة الأموية خطر مواجهة معارضة موحدة وقوية. غير أن ما قام به المغيرة تجاه المعارضة في الكوفة لم يكن سوى تطبيق لأوامر الخليفة نفسه مع بعض الاجتهادات التي رأى أنها تخدم الدولة أكثر. فقد كان معاوية على وعي تام بحقيقة المعارضة الخارجيّة وموقفها من السلطة ومن شخصه بالذات، ولذلك لم يعمل على جلب الخوارج إلى صفّه وقرّر منذ اللحظة الأولى التصدي لهم بالقوة. وستقف الدولة الأموية طيلة تاريخها بالمرصاد لكلّ الحركات التي تعلن معارضتها لها، وسيزيد عنف الأمويين تدريجيًا بشكل يجعل ما قام به المغيرة مجرد بداية مقارنة بمن سيأتي بعده من الولاة. ولعلّ هذا ما جعل الزواة يؤكدون على مرونته وتساهله معـ المعارضين. أما أنصار عليّ أو الشيعة (1)، وخاصة الزّعماء منهم، فقد عملت الدولة الأموية على تقريبهم في تلك المرحلة (2)، رغم ما كانوا يضمرونه من كره لخلافة بني أمية التي سلبتهم امتيازاتهم السابقة. لذلك سلك المغيرة سياسة اللين معهم حتى لا يتحوّل كرههم إلى عداء سافر للدولة، وهو ما ضمن الهدوء في الكوفة طيلة فترة ولايته عليها.
(1)
هذه إذن هي الخطوط العريضة لسياسة المغيرة في الكوفة والتي كانت نتيجتها توقف تحرّكات الخوارج في هذا المصر في الوقت الذي نشط فيه البصريون وتكثفت تحركاتهم تدريجيا.
ب - توسع نشاط الخوارج في البصرة وتصدّي السلطة له:
تختلف أوضاع خوارج البصرة عن أوضاع أصحابهم في الكوفة، ويعود هذا إلى اختلاف الأوضاع بين المصرين منذ الثورة على عثمان بن عفان. فالبصرة لم تشهد إبان هذه الثورة تحرّكات شبيهة بتلك التي وقعت في الكوفة، والتي كانت بحكم خصوصيات هذا المصر الاقتصادية والاجتماعية المركز الاساسي للثورة ضدّ عثمان. ففيها تطورت الانتقادات لسياسة الدولة إلى جدل كان له تأثير كبير على الفكر الخارجي، كما ساهم في بروز زعماء كبار كان لهم الأثر البالغ على الحركة.
أمّا
في البصرة فقد كان الصراع محدوداً جداً، لذلك لم يظهر في هذا المصر زعماء
(1) كانت كلمة (الشيعة) في تلك الفترة ما فتئت تعني أنصار علي بالمعنى الواسع للكلمة، أي الأشخاص الذين ناصروه ووقفوا إلى جانبه طيلة حياته وظلوا أوفياء لذكراه بعد موته ولن تأخذ كلمة «الشيعة» مفهومها السياسي الديني إلا بعد مقتل الحسين في كربلاء. (2) يقول أبو مخنف في رواية له إنّ معاوية كتب إلى المغيرة: خذ زياداً وسليمان بن صرد وحجر بن عدي وشبث بن ربعي وابن الكواء وعمرو بن الحمق بالصلاة في الجماعة»، فكانوا يحضرون معه الصلاة.
انظر تاريخ الطبري، ج 5، ص
179
66