حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٦٨

على مناصب إدارية هامة منذ خلافة عمر بن الخطاب. وقد برهن طيلة الفترة التي قضاها في خدمة الدولة الإسلامية على قدرة فائقة في إدارة شؤون المناطق الصعبة وحلّ المشاكل العويصة مما جعل الخلفاء، وخاصة علي بن أبي طالب يستعينون بخدماته، وهي الميزات التي جعلت معاوية يحرص منذ توليه الخلافة على استمالته وجلبه إلى صفه للاستفادة من قدراته رغم معرفته بولائه لعليّ. ولضمان وفاء زياد الدّائم له وللعائلة الأموية، قام معاوية بإلحاقه بنسبه وهو ما مثل نقطة التحوّل في علاقته بالأمويين.

كانت ولاية البصرة أولى المهام التي أسندت لزياد. ويبدو أن معاوية ولاه هذا المصر بالذات لاعتبارين اثنين: أولهما إلمامه بكل التفاصيل عن أحوال البصرة الداخلية: القبلية والاجتماعية .. ، وثانيهما حالة الفوضى والتسيب التي كانت تسود هذا المصر بعد خروج ابن عامر منه والتي تستوجب والياً حازماً وقادراً على إعادة الأمور إلى نصابها.

ألقى زياد عند وصوله إلى البصرة خطبته الشهيرة «البتراء التي تهدد فيها سكان المصر وتوعدهم ورماهم بشتى الأوصاف والنعوت، كما قدم فيها الخطوط العريضة لسياسته والإجراءات التي سيقوم بها لإصلاح الأوضاع. ولعلّ أبرز ما جاء في هذه الخطبة هو موقفه من المعارضين للسلطة، فقد قال في هذا الإطار: من كان محسناً فليزدد إحساناً، ومن كان مسيئاً فلينزع عن إساءته. إنّي لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعاً ولم أهتك له ستراً حتى يبدي لي صفحته ويُبادي بمعصيته، فإذا فعل لم أناظره فاستأنفوا أموركم وأعينوا عليّ أنفسكم» (1) وشرع زياد بعد هذه الخطبة مباشرة في تطبيق سياسته فجنّد لذلك الشرط وعددهم أربعة آلاف شخص، وفرقة عسكرية كوّنها بنفسه تضم خمسمائة نفر وهم الحرس. ويذكر بعض الرواة أن زياداً كان أوّل من اتخذ الحرس في

(3)

الإسلام 3

(2)

وأمكن لزياد في فترة وجيزة الحدّ من حالة التسيب التي كانت تسود البصرة قبل قدومه، إلا أنه أظهر في تطبيق سياسته صرامة كبيرة وتعسّفاً شديداً لم يعرف المسلمون مثيلاً له في السابق. ويبدو أن عنف زياد هو الذي كان وراء خروج أوّل مجموعة من الحرورية بقيادة سهم بن غالب الهجيمي والخطيم الباهلي وهما اللذان ثارا في ولاية ابن عامر وتحصلا على الأمان. لكن لما ولي زياد خافا أن لا ينفّذ لهما أمان ابن عامر فخرجا عليه (4). وتتالت بعد ذلك تحرّكات الخوارج إلى حدود سنة 52 هـ، واضطر زياد إلى

(1) تاريخ الطبري، ج 220 البلاذري، انساب الأشراف

222

1/ 4، ص

(2) تاريخ الطبري، ج (3) البلاذري، أنساب الأشراف، ج 1/ 4، (4) البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4،

ص

AY

190

ج

1/ 4 ص

221 تاريخ الطبري، ج 5، ص 224.

0173

68