حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٦٩

التصدّي لها ومواجهتها بأساليب عديدة سنحاول من خلال تتبعها التعرف على مميزات سياسة حكّام الدّولة الإسلامية الجدد ونتائجها بالنسبة للدولة. كما سنخصص القسم الأخير من هذا الفصل لدراسة تأثير هذه السياسة على الحركة.

كان أوّل تحرّك كما ذكرنا سابقاً بزعامة سهم بن غالب الهجيمي والخطيم الباهلي وقد أخمده زياد وأنزل بالقائمين به أحكاماً تراوحت بين القتل والنفي والإقامة الجبرية (أ) إلا أن زياداً لم يستغل هذا التحرّك للانتقام من بقية الخوارج الموجودين في البصرة، وظلّ

وفيّاً لما التزم به في خطبته، مُعتبراً أنّ عدم خروجهم عليه يكفي لضمان أمنهم. ولم يكتف زياد بمهادنة الحرورية، بل حاول جلب بعضهم إلى صفه، إذ كان يبعث إلى الرجل من قعد الخوارج فيعطيه ويكسوه ويقول له: ما أراه منعك من إتياننا إلا الخلة والرّجلة» (2). ويذكر المبرِّد أنّ الأمر وصل به إلى حد استعمال أحدهم على جند سابور ومنحه أربعة آلاف في كلّ شهر (3). ويبدو أنّ الخبرة التي اكتسبها زياد أثناء إدارته شؤون بلاد فارس وما يذكره الرّواة عن تأثره بسيرة ملوك الفرس يُفسّران تقلبه بين القوة واللين خصوصاً الأشهر الأولى من ولايته.

(3)

في لكن تواصل التحرّكات وتعمد بعض الخوارج استعراض المسلمين وقتلهم دفعا زياداً إلى تصعيد العنف واستعمال كلّ أصناف العقوبات ضدّهم وكانت انتفاضة قريب بن مرة وزحاف الطائي التي اندلعت سنة 50 هـ بداية القمع المركز ضدّ الخوارج، إذ يذكر الطبري أنّ زياداً اشتدّ في أمر الحرورية بعد قريب وزحاف وأمر سمرة عامله على البصرة بذلك فقتل سمرة منهم بشراً كثيراً (4)، ولم يكتف زياد في تصديه للخوارج باستعمال جهاز القمع شُرَط وحرس، بل جند كذلك القبائل واعتبرها طرفاً في القضاء على انتفاضات من المعارضين. وقد دفعت تهديداته المتكرّرة القبائل إلى لعب دور هام في كشف الخوارج ومنع تحرّكاتهم، إذ صارت كلما أحست بخارجة فيهم شدّتهم وثاقاً وأتت بهم زياداً أو قتلتهم» (ه)

(4)

وبرز أثناء عمليات قمع الخوارج عنف شديد لم يسبق أن استعمله الولاة. فقد كان زياد لا يتردّد في قتل كلّ من يحدث شغباً في المصر. وتذكر المصادر في هذا السياق أنه قتل من الخوارج بشراً كثيراً، وأن سمرة بن جندب نائبه على البصرة قتل في ظرف سنة

1/ 4 0173

(1) المصدر نفسه،

ج

(2) البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4، ص 174؛ المبرد الكامل،

93

(3) المبرد الكامل، ص (4) تاريخ الطبري، ج 238؛

ص

93

تاريخ خليفة بن خياط، ج 1، ص 210.

69

79.

(5) المبرد الكامل، ص