حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٧٠أشهر ثمانية آلاف شخص (1). ورغم شكنا في صحة هذا العدد لضخامته، فإننا لا نستبعد أن يكون عدد ضحايا هذا العامل كبيراً لأنه لم يكتف بوسائل القمع المعروفة بل أقام بالإضافة إلى ذلك نوعاً من محاكم التفتيش كان يجمع فيها النّاس بين يديه فيقول للرجل: ما دينك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وإنّي بريء من الحرورية، فيتقدّم فيضرب عنقه» (2)، وهو ما قد يكون أدّى إلى سقوط ضحايا أبرياء لا صلة لهم بالخوارج. ويعود عنف سمرة بن جندب وقتله العشوائي للخوارج إلى تزايد تحرّكاتهم عند انتقال زياد إلى الكوفة، وهو ما يؤكد أن تدعيم السلطة بفرق قمع جديدة لم يكن كافياً لمنع المعارضين من التحرّك، وأن حضور الوالي كان بعد أمراً ضروريا، الأمر الذي يفسّر قدوم زياد إلى البصرة إثر كل تحرّك خارجي.
وبالإضافة إلى القتل كان زياد يمثل بالمقتولين فيصلبهم في الأماكن العامة أو في دورهم، وقد شمل التمثيل الخارجين من الرجال والنساء فقد أتي لزياد بامرأة من الخوارج فصلبها وعراها وقال أيما امرأة خرجت فعلت بها مثل هذه فكفّت النساء عن الخروج خوفاً من أن يُعرين (3). ورغم أنّ التمثيل يُعدّ من الأعمال البشعة التي نهى الرسول عن القيام بها حتى مع الكفّار، فإنّ زياداً استعمله مع المسلمين رجالاً ونساء ليروع بقية السكان ويُلزمهم الهدوء.
(4)
ولم تقتصر عقوبات زياد على الخارجين عليه بل امتدت لتشمل أهلهم وذويهم الذين تفنن في معاقبتهم، إذ سجن بعضهم وسير البعض الآخر، ووصل به الأمر إلى حدّ منح بعض المسلمين المشاركين في قمع الخوارج نساء بعض الخارجين عليه، وهو ما لم يقم به أحد، قبله ويمثل تجاوزاً للقيم والقوانين التي يقوم عليها المجتمع العربي الإسلامي. ولم تكن العقوبات المسلّطة على الخوارج مقتصرة على القتل والتمثيل والتسيير والإقامة الجبرية، بل شملت كذلك العطاء. وقد تجاوز زياد في هذا المجال من سبقه من (5) الحكّام، إذ قام بشطب أسماء الخوارج من سجلات الديوان)، وحرمهم بذلك من مورد رزقهم الأساسي. كما استعمل العطاء وسيلة للضغط على القبائل، إذ كان يهدّدها باستمرار بحرمانها من هذا المورد إن لم تتصدّ للخارجين من أبنائها (6). إجمالاً يمكن القول إن تحوّلاً قد طرأ على أسلوب الحكم في الدولة الإسلامية نتيجة
ص
292 البلاذري، انساب الأشراف،
ج
،1/ 4
ص
211
211.
(2) تاريخ الطبري، ج 292، البلاذري أنساب الأشراف، ج 1/ 4، ص 211.
(1) تاريخ الطبري، ج
(3) البلاذري، انساب الأشراف
ج
(4) المصدر نفسه، 1/ 4، ص
ج
، 1/ 4
176
، ص
177
ص
99.
(5) نقله محمد عبد الحي شعبان في صدر الإسلام والدولة الأموية، 238،البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4،
(6) تاريخ الطبري، ج 5، ص
مر
176
70