حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٧١

الإجراءات التي اتخذها زياد بن أبي سفيان. فقد جعل هذا الوالي من محاربة الخارجين عليه شغله الشاغل وسخر لذلك الشّرط والحرس والجيش، فاكتسب نفوذاً واسعاً لم يكن من سبقه من ولاة أو خلفاء يتمتعون به. كما أن إصراره على اعتبار كلّ معارضة علنية بمثابة جريمة جعلته يتخلّص من القيود التي كان يفرضها الشرع على أسلافه وتحول دون معاقبة المعارضين لهم ولا يُمكن في هذا الإطار مشاطرة فلهوزن قوله إن زياداً لم يفعل سوى ما لهم. يقتضيه منصبه وما يفرضه عليه القرآن (1)، لأنّ المعارضة لا تعد من الجرائم الشرعية، وقد سبق أن بينا إلى أي مدى كانت العقوبات التي سلطها عثمان بن عفان على معارضيه مثيرة للرأي العام رغم أنّها طفيفة.

لقد أقحم زياد بأعماله المختلفة العنف في سياسة الدولة وجعله إحدى ركائزها، واعتبر أنّ مصلحتها تقتضي استعماله ضد كل الذين يرفضون الخضوع لسلطتها. أما البقية فقد هادنهم وحاول جلب بعضهم إلى حظيرة الدولة لتجنب خروجهم عليه. وقد أدّت سياسة زيادة إلى إخماد تحرّكات الخوارج (2)، وفرضت هيبة الدولة على الجميع، وحوّلت القبائل إلى طرف له دور في سياستها ومنحتها مهمة توفير الأمن داخل المصر بعد أن كانت مهامها تقتصر على دفع الدية والتأطير العسكري. إلا أنها أضعفت التضامن القبلي وأفقدت القبيلة القدرة على حماية أبنائها الخارجين على السلطة وأجبرتها على القبض عليهم ومعاقبتهم أحياناً.

ولئن نجح زياد في إخماد تحرّكات المعارضين وزرع الرعب في نفوس بقيّة سكان العراق وتحويلهم من مقاتلة يتمتعون بقدر كبير من الحرّية إلى رعيّة خاضعة كليّاً لأجهزة الدولة، فقد فشل في خنق إرادة الخروج لدى قسم كبير من الحرورية، وهو ما يفسر عودة الانتفاضات في ولاية ابنه عبيد الله.

* عُبيد الله بن زياد يصعد القمع ضدّ الخوارج:

لم يستأنف الخوارج نشاطهم مباشرة إثر موت زياد وتولّي ابنه عبيد الله ولاية البصرة، بل تواصلت فترة الهدوء التي بدأت سنة 52 هـ إلى حدود سنة 58 هـ، حيث ستنطلق الانتفاضات الخارجية من جديد وستكون أكثر حدة وعنفاً.

كان أوّل إجراء اتخذه عبيد الله بن زياد لما ولاه معاوية البصرة سنة 55 هـ إطلاق سراح من كان من الحرورية في حبس زياد (3). والظاهر أنّه أراد بهذا العمل التقرب من

(1) فلهوزن أحزاب المعارضة، ص 60.

(2) كان آخر تحرّك قام به الخوارج في البصرة في ولاية زياد سنة 52 هـ. انظر: البلاذري، انساب الأشراف

ج 1/ 4،

ص

177

92.

(3) المبرد الكامل، ص

71