حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٧٢

الخوارج واستمالتهم أو على الأقل إظهار نفسه بمظهر المتسامح المحب للعافية والألفة

ليتجنب ثوراتهم. وأعقبت هذه الإجراءات بالفعل فترة من الهدوء لم يقصد الخوارج من ورائها الاعتراف لابن زياد بالجميل للخدمة التي قدمها إليهم وإنما لأسباب أخرى لعلّ من أهمها حالة التشتت التي صار عليها أنصار الحركة بعد العقوبات التي سلطت على الخارجين منهم وسلسلة الإجراءات القمعية التي اتخذها زياد لمراقبة تحركاتهم. إلا أنّ غياب النشاط العلني لم

(1)

(2)

يمنع بعض العناصر الخارجية من القيام بنشاط سرّي تمثل في عقد بعض الاجتماعات. يذكر البلاذري عن هذا النشاط رواية يقول فيها إنّ قوماً من الخوارج كانوا يجتمعون إلى جدار يتحدثون عنده ويعيبون السلطان» (1). ولئن لا تعطي الرواية تفاصيل عن فحوى الاجتماعات وما كان يدور فيها من نقاشات فإنّ الإشارة إلى ذمّ السلطان تكفي للدلالة على أنها كانت تُعقد لتدارس الأوضاع في البصرة وفي الدولة الإسلامية وتقييمها. علم ابن زياد بهذه الاجتماعات فقام باعتقال منظميها وألقى بهم في السجن، ثم عرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضاً ليخلي سبيل القاتلين (2)، ويتخلّص من بعض العناصر النشيطة ويُحدث خلافات داخل الحركة غير أنّ تأثير الحادثة كان عكسيا، فقد استاء الخوارج من هذا العمل الشنيع، وقرّرت العناصر التي تولّت قتل أصحابها التحرّك ضدّ ابن زياد للتكفير عن الذنب الذي ارتكبوه في حق اخوانهم. وانطلقت إثر هذه العملية تحرّكات الخوارج وتواصلت طيلة الفترة المتبقية من ولاية ابن زياد (3)، ولئن اتَّخذ أغلبها شكل عمليات استشهادية جمعت عدداً قليلاً من الخوارج واستهدفت في أغلب الأحيان أشخاصاً معروفين بولائهم للسلطة وعدائهم للخوارج اكتسى بعضها أهمية كبيرة مثل تحرّك أبي بلال مرداس بن أديّة الذي يُعتبر من أهم الأحداث في تلك الفترة وفي تاريخ الخوارج عامة. وتعود أهميته إلى قيمة قائده وما كان يتحلى به من مثالية وتعلّق بقيم الإسلام ومبادئه والتزام بها في تعامله مع بقية المسلمين، ورفضه الشديد للعنف الصادر عن الدولة وعن الخوارج كذلك. كما قد تعود إلى الطريقة الشنيعة التي تم بها قمع هذا التحرّك، فقد قُتل أبو بلال وأصحابه غدراً أثناء الصلاة (5)، وهو ما استنكره

(1) البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4، (2)،البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4،

مر

ص

178

178

ده

(4)

، فقد

(3) ينقل البلاذري مجمل هذه التحرّكات ويعطي بعض التفاصيل عنها البلاذري، أنساب الأشراف، ج 4/

1، ص

393 - 38186، 6 - 178

1/ 2

(4) المصدر نفسه، ج

ص

1393 - 392

(5) انظر تفاصيل ثورة أبي بلال في تاريخ الطبري، ج 5، ص 314 وما بعدها؛ وفي البلاذري، انساب

الأشراف، ج 1/ 4، ص 180؛ وفي: المبرد الكامل،

ص

89 - 82

72