حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٨١الجماعة بالردّ عليها عسكرياً أو فكرياً إلى انشغالهم بالصّراع مع عدوّهم الرئيسي عليّ بن أبي طالب وإلى عدم رغبتهم في القضاء عليها لأنّ بقاءها يُساهم في إضعاف خصمهم ويسهل التغلب عليه. ولم يجسّد الحرورية بدورهم عداءهم للشاميين عسكرياً إذ اقتصرت انتفاضاتهم على المجال العراقي الخاضع لسلطة عليّ.
وتغيّر الوضع مع وصول الأمويين إلى السلطة وحصولهم على بيعة العراقيين، فقد صار الخوارج العدوّ الرئيسي للحكم الجديد. لكن الشاميين لن يشاركوا في قمع تحركات الخوارج إلا مع اندلاع الفتنة الثانية.
أما العراقيون فيمكن التمييز في موقفهم تجاه هذه الحركة بين أصحاب علي المقرّبين وبين عامة العراقيين فالمجموعة الثانية لم تكن - رغم اختلافها مع الحرورية في مسألة التحكيم - تكنّ عداء كبيراً لهم، والأرجح أن معركة النهروان التي سقط فيها عدد كبير من الضحايا قد اكسبت الحركة بعض المتعاطفين معها من داخل العراق. لكن تصلب مواقف الخوارج وتكرّر انتفاضاتهم ثم إقدام عناصر منهم على قتل الخليفة قد يكون خلق لدى العديد من العراقيين شعوراً بالنقمة تجاه هذه الجماعة لأنها فرّقتهم وساهمت في خروج
السلطة من بلادهم. ولم يكن الخوارج بدورهم راضين عن موقف العراقيين المؤيد للتحكيم وقد عبروا عن ذلك برفض الإقامة معهم واعتبروا مصرهم القرية الظالم أهلها» (1)، ولكنهم لم يُجمعوا (1) على تكفيرهم مثل الشاميين ولم يقوموا ضدّهم بأعمال عنف. وباستثناء مقتل ابن الأرت - الذي لم نتمكن من تحديد أسبابه - فإنّه لم تسقط من جراء تحرّكات الخوارج في خلافة عليّ سوى العناصر التي حاولت التصدّي لهم. لكن وصول معاوية إلى السلطة وتجنّد العديد من العراقيين للدفاع عن حكمه من خلال المشاركة في قمع تحرّكات الخوارج قد أثار ثائرتهم لأنه كشف لهم عن مدى انتهازية العراقيين أمّا المجموعة العراقية الثانية فتضم أصحاب علي بن أبي طالب أي الشيعة وعلاقة هؤلاء بالخوارج عدائية منذ البداية. ونظراً لما لهذه العلاقة من أهمية بالنسبة للمجموعتين وللسلطة الأموية فإنّ الضرورة تقتضي تتبعها بدقة.
(2)
يبدأ الحديث عن الشيعة كمجموعة متميّزة منذ العودة من صفين ونزول الرافضين للتحكيم في حروراء. فكراً على هذا الموقف وثبت الشيعة فقالوا لعلي: في أعناقنا بيعة ثانية نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت (3). ثمّ كرّروا ذلك مرّة أخرى لما خرج
(1) تاريخ الطبري، ج 74،البلاذري، أنساب الأشراف، ج 2،
ص
177
(2) تاريخ الطبري، ج (3) تاريخ الطبري، ج 5، ص 464 البلاذري، انساب الأشراف، ج 2،
ص
ص
363.
348.