حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٨٣وقد زادت العلاقة بين الشيعة والأمويين سوءاً في خلافة يزيد بن معاوية وتحولت بعد مقتل الحسين في كربلاء سنة 61 هـ إلى قطيعة تامة. ورغم أن الحركة الشيعية قد بدأت بعد هذه الحادثة تتنظم وزاد عدد أفرادها وصاروا أكثر وعياً بظلم الحكام الأمويين وأكثر حقداً عليهم، فإن علاقتهم بالخوارج لم تتحسّن والظاهر أن أنصار الحركتين لم يفكروا في إعادة النظر في مواقفهم السابقة رغم أنّ ذلك صار أمراً ضروريًا لمواجهة عدوهما المشترك. ولعلّ غياب المعلومات عن وجود علاقات بين الخوارج والشيعة دليل على انعدامها. والظاهر أن انتقال مركز الحركة الخارجيّة إلى البصرة وتمركز الشيعة في الكوفة قد ساعد على تكريس القطيعة. لكن تتبع الأحداث اللاحقة يُؤكّد استمرار العداوة بين المجموعتين، وتحوّل الخلافات السياسية تدريجياً إلى صراع فكري ومذهبي. وإذا كان تتبع هذا الصراع والتعرف على أبرز محاوره غير ممكن في هذه المرحلة من البحث باعتبار أن الفكر الشيعي لم يكن قد تبلور بعد، فإنّه يمكننا في انتظار ذلك التعرف على الفكر الخارجي وما طرأ عليه من تطوّر خلال السنوات الأولى من الحكم الأموي.
ج - التأثير على المستوى الفكري والتنظيمي:
جاءت الحركة الخارجية منذ ظهورها - كما هو معروف - مكتسبة لأبرز ملامحها ومنها التفاف أتباعها حول جملة من المبادئ والشعارات هي: رفض تحكيم الرّجال في أمور المسلمين»، و «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة الخروج من القرية الظالم أهلها. وقد ساعد انسجام الخوارج الفكري والتفافهم حول هذه المبادئ على خلق لحمة على المستوى التنظيمي وبدا ذلك واضحاً خلال وقعة النهروان التي شارك فيها أغلب خوارج الكوفة والبصرة.
ورغم أن الخوارج تشتتوا بعد هذه الوقعة وصارت تحرّكاتهم عشوائية وغير منظمة دافعها الأساسي الانتقام لضحايا النهر والتكفير عن الذنب الذي ارتكبه المنسحبون من المعركة، فإن المبادئ الخارجية ظلت تجمع المنتمين إلى الحركة آياً كان مكان إقامتهم. ولقد حاول بعض الخوارج بعد انتقال السلطة إلى بني أمية تنظيم صفوفهم والقيام
علّفة
بتحرّك مشابه للنهروان، وهو الذي تزعمه حيان بن ظبيان السلمي والمستورد بن التميمي. ولئن لم ينجح هذا التحرّك عسكريا، فإنّه كان على المستوى الفكري ثريا جدا ساهم في بلورة وتنظيم بعض المبادئ والأفكار.
?
يبدو من خلال خطب الخوارج ونقاشاتهم خلال هذا التحرك تمسكهم جميعاً بالمبادئ الأساسية للحركة وخاصة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» و «الخروج على الولاة الظلمة وتكفير المخالفين. كما يتضح تبلور محتوى بعض هذه المبادئ والشعارات مثل مبدأ «الخروج الذي صار يعني الثورة من دون الحاجة إلى الانفصال عن
83