حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٨٥والتي كانت تتطلب قائداً عسكرياً ممتازاً وقادراً على قيادة العمليات العسكرية بنجاح. ولم يبقَ سوى شرط السنّ المرتبط بالتقاليد العربية قبل الإسلامية، فقد اعتبره الخوارج من الشروط التي يستحسن توافرها في الخليفة لأن السنّ تعني دائماً التجربة والحنكة والرصانة. ولعلّ اعتماد المسلمين على هذا الشرط في اختيارهم لأبي بكر قد أثر بدوره على الخوارج باعتبار مكانة هذا الخليفة عندهم.
القائد من
،وعموماً، برز خلال تحرّك حيان بن ظبيان والمستورد اهتمام الخوارج بمسألة اختيار خلال ضبط الشروط الواجب توافرها في المترشّح لهذا المنصب إنما من دون تحديد طريقة الاختيار، إذ لم يرد في خطبهم ذكر للشورى أو غيرها. إلا أن الطريقة التي توخوها في اختيار المستورد تُعطي فكرة عن النموذج الذي يعتبرونه الأفضل في هذه العملية، وهو الانتخاب بمعناه الواسع الشامل لكلّ عناصر الحركة.
لأن
أطلق الخوارج على قائدهم لقب أمير المؤمنين، وكان المستورد أوّل من تسمّى به إذ لم يحمل عبد الله بن وهب الراسبي هذا اللقب ولا غيره من الألقاب المعروفة. ولئن لم يفكر الخوارج في هذه المسألة قبل النهروان، فذلك يعود على ما يبدو إلى بقاء الرابطة التي تجمعهم بعلي منذ الثورة على عثمان حيّةً رغم اختلافهم معه. ولئن انقطعت هذه الرابطة تماماً بعد معركة النهروان فإنّ الثائرين من الخوارج لم يطلقوا اللقب على قادتهم تشتتهم لم يوفّر لهم إمكانية البحث في هذه المسألة والبت فيها. أما بعد مقتل علي وانتقال الحكم إلى معاوية، فلم يعد هناك مجال للتفكير في هذه المسألة. فجميع الخوارج لا يعترفون بهذا الخليفة ويطعنون في إيمانه وإيمان كلّ المخالفين لهم، لذلك اعتبروا أنفسهم المؤمنين الحقيقيين وأميرهم هو أمير المؤمنين، وباقي المسلمين كفاراً. كما برزت في بداية الحكم الأموي كلمة (الأحزاب التي وردت لأول مرة في خطاب حيان بن ظبيان السلمي لما دعا أصحابه إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد لغةً جماعة النّاس (3). وقد استعملت في القرآن للدلالة الأحزاب (1). وتعني لفظة «حزب لغةً جماعة النّاس. على الكافرين الذين تحزّبوا ضد الرسول وعلى أصحاب الرسول كذلك، وإن لم ترد بهذا المعنى سوى مرة واحدة والظاهر أن الخوارج استعملوا معناها الأكثر شيوعاً في القرآن وهو الكفار، فقصدوا بها كل من تحزب ضدّهم ويرد هذا المعنى على لسان حيان بن ظبيان في بيت من الشعر يرثي فيه أحد الخوارج وهو سهم بن غالب الهجيمي يقول فيه:
(2)
فإن يكن الأحزاب باؤوا بصلبه فلا يبعدنُ الله سهم بن غالب
0174
ج
1، ص
(1) تاريخ الطبري، ج 5، ص (2) ابن منظور، لسان العرب المحيط، (3) البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4، ص
299.
0173
(3)
85