حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٨٧الاستعراض في أغلب هذه الرّوايات مرادفة للقتل وهو معناها الشائع في المعاجم ويبدو أنّ الاستعراض، بمعنى الاستجواب لم يطبقه الخوارج في تلك الفترة لأن أغلب العمليات التي يقومون بها كانت تتم في أماكن عامة مثل الأسواق أو المساجد. ولذلك تكون سريعة جداً بحيث يتعذر على القائمين بها استجواب ضحاياهم قبل قتلهم.
ولم يكن توجه الخوارج نحو العنف نتيجة حرصهم على الخروج والثورة للتعبير عن رفضهم للحكم القائم فحسب بل كذلك نتيجة تزايد القمع المسلّط عليهم خاصة من قبل عبيد الله بن زياد وتظهر روايات عديدة ارتباط تصاعد عنف الخوارج بعنف الولاة، نذكر منها تلك التي تتحدّث عن خروج أبي الوازع الراسبي. فقد قال لأصحابه لما أراد الخروج: إنّي شار فاشروا ودعوا المضاجع فطالما نمتم وغفلتم عن أهل البغي حتّى صيرهم ذلك إلى أن يتبعوكم فيقتلونكم في مضاجعكم قتل الكلاب في مرابضها». ورغم أن أصحاب أبي الوازع لم يستجيبوا لدعوته وطلبوا منه التريث، فإنّه أصرّ على الخروج مبرّراً ذلك بالقول: كلا إن في غدوّ الموت ورواحه ما يجعلني أخاف معه فوت ما أريد (1). وكان قد سبق خروج أبي الوازع مقتل عروة بني أدية أحد كبار الخوارج، وهو ما جعله يصرّ على الخروج خوفاً من أن يلقى المصير نفسه.
وتثبت هذه الرواية وغيرها أنّ عنف الدولة المسلّط على الخوارج كان أحد العوامل التي تفسّر تواصل تحركاتهم وتزايد عنفها واقتصار هدفها على الموت في ساحة المعركة أو
الاستشهاد.
ولئن كانت الرغبة في الاستشهاد سابقة للحكم الأموي، فإنّها لم تكن هدف الخارجين في البداية. فقد ارتبط الخروج قبل النهروان بأهداف منها طلب الحق» و «إنفاذ حكم الله» و «القضاء على حكم أيمة الجور وإقامة حكم عادل» (2). لكن صدمة النهروان زادت في رغبة الخارجين في الاستشهاد، ثمّ ترسّخ هذا التوجه في بداية الحكم الأموي لمّا تأكد العديد من الخوارج أنهم لن يقدروا في ظل القمع المسلّط عليهم على القيام بثورة عارمة تسقط هذا الحكم وأنّهم عرضة للقتل في أية لحظة. لذلك، فإنّ العمليات الانتحارية هي وسيلة للاستشهاد والانتقال إلى الجنة حيث الحياة الحقيقية مع الرفاق الأبرار الذين سبقوهم، ومن هنا كان تمجيدهم للموت في شعرهم وخطبهم وكان الموت المحور الرئيسي للأدب الخارجي في تلك الفترة.
ولا يعود احتقار الحياة واستعذاب الموت بهذا الشكل إلى حالة اليأس التي صار عليها
1.7
(1) البلاذري، أنساب الأشراف، ج 1/ 4، ص 392 المبرد الكامل، ص (2) ورد هذا في خطب الخوارج، وخصوصاً في خطبة حرقوص بن زهير قبل الخروج إلى النهروان، انظر: البلاذري، انساب الأشراف، ج 2، ص 363
87