حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٨٨

الخوارج في ظلّ الحكم الأموي فحسب، بل كذلك إلى تأثرهم الشديد بالقرآن الذي مجد الجهاد والموت في سبيل الله وأعطى الشهداء مكانة متميّزة ووعدهم بالجنّة وجعلهم أحياء عند ربهم يرزقون) (1). ولعلّ هذا الموقف من الموت هو الذي جعلهم ينتصرون على جيوش كبيرة ودفعهم إلى القيام بتلك العمليات الانتحارية العديدة في ولاية عبيد الله بن زياد خاصة، وهي عمليات لا يُمكن بحال من الأحوال أن نعتبرها بمثابة عمليات لصوصية كما يرى فلهوزن (2)

ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى مسألة هامة وهي تعمّد الخوارج التحكيم والقتل في المساجد واختيار ضحاياهم خاصةً من بين الذين اشتهروا بالتدين والزهد. فهذا سهم بن غالب الهجيمي يستعرض ويقتل عباد بن قرص الليثي الذي يذكر الرّواة أن له صحبة وقريب بن مرّة وزحاف الطائي يقتلان رؤبة الضبعي وكان ناسكاً، وغيرهما. وتدعو هذه التصرفات إلى الاستغراب والتساؤل عن الدوافع التي جعلت الخوارج يعمدون إلى قتل هؤلاء المسلمين بالذات ويستبيحون حُرمة الأماكن المقدّسة ويقتلون من فيها أثناء الصلاة خصوصاً وأنّهم اشتهروا بالاجتهاد والتمسك الشديد بالدين؟

يبدو أنّ الخوارج استحلوا قتل المصلين والمجتهدين وكل الذين لهم معرفة بالقرآن واطلاع على تعاليم الدين لأنهم اعتبروا أن معرفتهم بالقرآن تُحمّلهم قبل غيرهم مسؤولية فضح السلطة وبيان ما تقوم به من تجاوزات في حق المسلمين وتحريض الناس على الثورة ضدّها. لكن سكوت هؤلاء على الظلم ورضاهم بهذا الوضع يُعتبران إخلالاً بمسؤولياتهم ونوعاً من التواطؤ معها وجريمة في حق المسلمين يستحقون من أجلها القتل، لذلك لا يُعد

التحكيم والقتل في المساجد انتهاكاً لحرمتها بل تطهيراً لها من هؤلاء المنافقين. وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن أنصار هذا التيار الراديكالي قد تزعموا أغلب الأعمال التي وقعت في البصرة في ولاية زياد وخصوصاً في ولاية ابنه عُبيد الله ومنهم ستنبثق النواة الأولى لتيار الأزارقة. تيار معتدل: كان ظهور هذا التيار كما ذكرنا سابقاً، نتيجة للقمع الأموي ولئن لم بتخل أنصاره عن مبادئ الحركة، فقد طوّعوها حسب الواقع الجديد إذ ابتعدوا عن الثورة وركنوا إلى الهدوء. ولم يكتفوا بذلك بل استنكروا عمليات الاستعراض والقتل التي كان يقوم بها أصحابهم، وأخيراً ابتدعوا التقية) فأخفوا ما يتبنون من مبادئ خوفاً من بطش

السلطة (3)

(1) سورة آل عمران الآية 169.

(2) فلهوزن أحزاب المعارضة، ص 60 - 61.

،

Dozy (R)، Supplément aux dictionnaires arabes، Beyrouth، Librairies du Liban، 1981، T. I، p. 149 (†)

4

88