حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ١٠٢ظهور وارساء دولة القانون
الفصل الأول: هو القائم بوظيفة التشريع وسن القوانين وتنفيذها، وتولي القضاء وما يترتب من خصومات ونزاعات حول تنفيذها، وقام هذا النفوذ بالسلطة وشؤون الحكم من اعتبار أن السلطة أو الحكم " امتياز شخصي للحاكم اكتسبه بفضل مهاراته وقوته وتفرده بخصائص معينة عن باقي أفراد الجماعة التي يحكمها، الأمر الذي يحظر أي منافسة أو مشاركة للغير له في الحكم
11
وقد دفع هذا الإنفراد بالسلطة وعبر مختلف الحقب التاريخية إلى استبداد الحكام وأعوانهم وتفشي الظلم والتعسف والعبودية، الأمر لذي شكل مساسا خطيرا وهدرا تاما للحقوق والحريات التي كان التمتع بها منوطا بالحكام وأعوانهم فقط، أما المحكومين فلم يكن معترف لهم بكامل الحقوق والحريات ووفقا للطبقة الاجتماعية
المصنفين فيها، كما كان لتفشي العبودية والاسترقاق الأثر الكبير على الهدر التام للحقوق والحريات. إلا أنه ومع مطلع القرن السابع عشر 2 وتحت وطأة الفكر التنويري في أوروبا، وظهور حركة المطالبة بالحقوق والحريات وما صاحبه من حركات وثورات شعبية توجت بالثورة الفرنسية سنة 1789، وظهور الدولة الحديثة أو ما يعرف بدولة القانون القائمة على تكريس الحقوق والحريات والإقرار بها للجميع وعلى قدم المساواة.
ولم تكن لدولة القانون هذه أن تحقق وتحمي الحقوق والحريات إلا وفق مبادئ وضمانات تكفل عدم استبدادها وتفردها بالحكم ومن هنا بالذات جاءت فكرة تعدد السلطات في الدولة، وعدم تفرد جهة واحدة بها، الأمر الذي عبر عنه في الأوساط الفكرية والقانونية بمبدأ الفصل بين السلطات والقائم على تقسيم السلطات في الدولة تقسيما معينا وفقا للوظائف الأساسية التي تضطلع بها السلطة الحاكمة، حيث تختص كل سلطة بوظيفة معينة.
ويسجل الفقيه الفرنسي مونتسكيو نفسه في هذا المقام كصاحب الفضل في بلورة هذا المبدأ بشكله الحالي، وجعله موضعا للنقاش كضمان سياسي لتحقيق دولة القانون وحماية الحقوق والحريات فيه حيث ظهر مبدأ الفصل بين السلطات كمبدأ أساسي تقوم عليه الدولة الحديثة في كتابة روح القوانين والذي دعا فيه إلى البحث عن العلاقة بين مبدأ الفصل بين السلطات في الدولة وتحقيق الحقوق والحريات 3. كما كان لتطور
2
نفس المرجع، ص:16.
– على الرغم مما شكله ظهور مبدأ الفصل بين السلطات على هدم نظام التفرد بالسلطة، فإن ذلك لم يمنع من تسجيل بعض التطبيقات المعاصرة لهذا النظام الأخير، ومنها ما كان عليه النظام النازي في ألمانيا، والنظام الفاشي في إيطاليا على يد موسوليني، والتي قامت على التفرد بسلطة الحكم وتجميع كل الوظائف في يدها من خلال وحدة الحزب الحاكم ووحدة الزعيم، وهو النظام لمطبق غالبا من طرف الأنظمة القائمة على الانقلابات العسكرية، أنظر: طعيمة الجرف، نظرية الدولة ومبادئ الحكم، مرجع سابق، ص: 570.
3 <<< je voudrais rechercher dans tous les gouvernements modérés que nous connaissons quelle، est la distribution des trois pouvoirs، et calculer par le degré de liberté dont chacun d'eux joui» voir :
101