حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ١١٧:
ظهور وارساء دولة القانون
الفصل الأول: في الميدان الاقتصادي، وعدم ترك اقتصاديات الدولة في يد بعض الأفراد، بل ضرورة إشراك الناس جميعا فيها، وهذا هو الذي ولد الاشتراكية أو الاقتصاد القائم على التوجيه.
و قد كان لهذه النظريات الاقتصادية الجديدة أثر عميق في الحياة الديمقراطية حتى فرقت العالم بين كتلتين إحداهما ركزت على الديمقراطية الاجتماعية والأخرى رأت جوهرها ونماط أمرها في الديمقراطية الحرة. و نجم على ذلك تفسيران للديمقراطية، تفسير معنوي روحي وتفسير مادي، وأدّى ذلك إلى قيام
أنظمة سياسية وأنواع من الحكم، مختلفة كل منها يدعي الديمقراطية.
2 - الحرية مظهر الوحدة في أنواع الحكم الديمقراطي:
إن الديمقراطية في جذورها العميقة تصدر عن وحدة، حقيقة أيَّا كانت صور هذه الديمقراطية، وهذه الوحدة الحقيقية هي الاندفاع نحو حرية الأفراد.
و العجيب في هذه الديمقراطية الساعية إلى الحرية، هذا التنافر الذي قد يؤول إليه اجتماع الحريتين: حرية الفرد وحرية المجموع، فاجتماعهما معًا يفرض بالضرورة أن يعمل المجموع بقاعدة الاجتماع لا بقاعدة الأكثرية، ولكن الإجماع نادر الوقوع .... فإذا كانت الديمقراطية التقليدية مثلاً قد اعتمدت الأكثرية وأوجبت على الأقلية أن تنحني أمام حكم الأكثرية، فإن هذا يحمل على القول أن هذه الأقلية لا تتمتع في الحقيقة بكامل الحرية ....
فضلاً
و لكن مما يخفف حدة هذا القول أن الأكثرية لا تستطيع أن تمس الحريات والحقوق الفردية، هذا عن أن الديمقراطية تقوم على التقدم والتسامح والثقافة، وهذا يؤول إلى التوافق بين الآراء والمصالح بحيث يتحقق في المجتمع حكم الفرد بالفرد وحكم الجميع بالجميع. كذلك شأن الديمقراطية الماركسية أيضًا، فإنه ليس من الصعب التوفيق فيها بين حرية الفرد وحرية المجموع، لأن هذه الديمقراطية إنما تنادي بتحقيق المساواة قبل الحرية، فإذا ما تخلصت من اللا مساواة في المجتمع فإن إرادة كل فرد فيه ستمزج مع إرادة المجموع فلا نزاع والحالة هذه بين حرية الفرد وحرية المجموع.
إن نزعة الديمقراطية في صورتيها المختلفتين هي تحقيق الوحدة بين الحاكمين والمحكومين، فإذا كان الحاكمون هم المحكومون كانت الديمقراطية، ولئن كان هذا المثل الأعلى صعبًا على التحقيق بشكل كامل فإنه ذلك افتراض حالة اجتماعية قريبة من التوفيق بين الحاكمين والمحكومين، وذلك حيث يطيع الفرد
يمكن مع
المجتمع وهو مؤمن أنه لا يطيع إلا نفسه.
116