حماية الحريات ودولة القانون صالح دجال

حماية الحريات ودولة القانون

الجزء ١ · صفحة ١١٨

ظهور وارساء دولة القانون

الفصل الأول: و لئن كانت هذه الجذور العميقة للديمقراطية المثالية تبدو بعيدة فإنها مع ذلك تعبر، من حيث التعلق بالحرية، عن وحدة قائمة في جذور الديمقراطية (1) فالحرية هي الغاية في كل الأنظمة القائلة بتطبيق الديمقراطية، وإن اختلفت وسائلها، فليس ثمة ديمقراطيات حرة وديمقراطيات غير حرة، ذلك لأنه إن لم تكن الحرية غاية النظام، فإن هذا النظام في الحكم لا يصدر حينئذ عن روح الديمقراطية.

(2) و لهذا فإن الحرية هي معيار التفرقة بين الأنظمة الديمقراطية في الحكم وبين الأنظمة الفاشية وقد تكون الوسائل واحدة بين الأنظمة الديمقراطية السوفياتية مثلاً وبين الأنظمة الفاشية، ولكن الغاية تفترق، فحتى الديمقراطيات التي قد لا تكون حرة في وسائلها إنما تزعم الحرية غاية لها، في حين أن الأنظمة الفاشية تستهدف شيئًا آخر غير الحرية هو العرق أو الأمة أو الدولة في ذاتها.

3 - ميلاد الديمقراطية وبناء دولة القانون:

اندفع الإنسان إلى حياة الجماعة بإرادته، وعلى أساس الاتفاق مع الأفراد الآخرين يهدف إنهاء الحياة البدائية وتقبل حكم القانون والنظام، وبذلك تغيرت الفكرة الموروثة عن الدولة ولم تعد من ثمرات القوة أو التفويض الإلهي، ولكنها أداة يخلقها الأفراد الأحرار والمتساوون بإرادتهم في العقد الاجتماعي. و لكن فلاسفة العقد الاجتماعي، كما رأينا وإن أجمعوا على أصل نشأة الدولة، لم يصلوا على الرغم من ذلك إلى نتائج موحدة.

و مرجع الخلاف أن فريقًا من هؤلاء الفلاسفة على رأسهم "هوبز" فهم السيادة الشعبية على أنها قابلة بطبيعتها للتصرف فيها، وأن الأفراد حين اختاروا حياة الجماعة تنازلوا بالعقد عن سيادتهم وحقوقهم وحرياتهم تنازلاً كاملاً ونهائيًا للأمير الذي لم يكن طرفًا في العقد والذي أصبح بموجبه صاحب الحق الوحيد في

السيادة.

و لكن فريقًا آخر أمثال (هوتمان Hotman و هربرت لا نجويه Hurbert Languet) من فقهاء القرن السادس عشر. و (جوريو Jurieu) و (ولوك J. Locke) وهم من فقهاء القرن السابع عشر انتهوا إلى تصوير السيادة الشعبية على أنها من الخصائص الطبيعية للأفراد لا تقبل التصرف فيها أو التنازل عنها، ومن ثم فإن العقد الذي تم بين الشعب والأمير لإنهاء حياة الفطرة البدائية لم ينقل السيادة إلى الأمير، ولكنه فوضه في ممارسة مظاهرها باسم صاحبها الأصيل وهو الشعب

1

-

- Luc Heuschling، opt، cité، p : 596 et s.

2

G. Burdau science politique، opt، cit، p 41.95.

117