حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ١٢٩:
ظهور وارساء دولة القانون
الفصل الأول: وضال، فنقده فكرة العدد ينهض على دحض التفكير الرامي إلى تأسيس الديمقراطية على المساواة العددية، وليس المساواة المبنية على الاستحقاق، مما يجعل الفقراء، وهم أغلبية المجتمع، يمارسون سلطة مطلقة تجاه الطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى.
لقد استلهم مفكرو الأنوار الدرس الأرسطي في مجال الاحتراز من الديمقراطية العددية، لذلك شددوا على جملة من المواصفات المحددة والمميزة للمواطنة. فالمواطن عندهم كائن عاقل، ممتع بالحكمة، واع مسؤوليته، جدير بالمساهمة في التعبير عن الإرادة العامة للأمة، بنفس إصرار وزهد القساوسة ورجال الدين، كما أن النظرة نفسها اعتمدها الموسوعيون Encyclopédistes ، ، وروسو، والآباء المؤسسون للجمهورية الأمريكية. فهكذا، سيجد أنصار هذا التفكير في في مفهومي "الأمة" و"التمثيلية" Représentation مسوغا نظريا لتثبيت رجاحة المواطنة المنتقاة Citoyenneté Selective ، والدعوة إلى الديمقراطية المقيدة، وهو ما عبرت عنه واجتهدت في تكريسه أطروحة "السيادة الوطنية" كما صاغتها كتابات " ع. ج سييس " E. J. Sieyes (1748 - 1836)
هي
Nation
فالسيادة عند "سييس" ملك للأمة، باعتبارها مجموعة مترابطة ومتداخلة متمتعة بشخصية معنوية متميزة عن الأفراد المؤلفين لها، ومتوفرة على إرادة خاصة مستقلة عن إرادات الأفراد غير أن الأمة، من حيث كيان اعتباري عاجزة عن التعبير عن إرادتها مباشرة تعهد بهذه المهمة لوكلاء ينوبون عنها دون الحلول محلها، أو مصادرة حقها في امتلاك السيادة والاحتفاظ بأحقية التعبير عنها، علما أن "سييس" واعي شروط النيابة وحدود التمثيلية من المفروض ليس النائب أيا كان، بل هو شخص تجتمع فيه مقاييس الثقافة، والتعلم، والوعي، والوجاهة الاجتماعية. ألم يشدد على المعايير نفسها قائلا: (إن أكثرية مواطنينا لا يتوفرون على التعليم والثقافة، ولا يملكون الوسائل الضرورية ليقرروا بأنفسهم في الشؤون العامة، لذلك ينبغي أن نكتفي
1 - ج. ج شوفالبية، تاريخ الفكر السياسي، من المدينة الدولة إلى الدولة القومية [ترجمة محمد عرب صاصيلا (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،
ط: 1985.1) ص 152 - 162.
2 Sadok Belaid. Opt. Cit. p 1
Bastid (p) Sieyes et sa pensée، 1939.
للتدقيق في أفكار " سييس" أنظر:
3
4
وهو ما عبر عنه بقوله:" إن الأمة موجودة قبل كل شيء وهي مصدر كل شيء، وإرادتها تتسم على الدوام بالشرعية، بل إنها الشرع نفسه. فالأمة تتكون بمقتضى القانون الطبيعي، أما الحكم فيحدده القانون الوضعي. وأن نقطة الانطلاق لتكوين المجتمع تتمثل في مجموعة من الأفراد كانوا يعيشون في حالة. من العزلة ثم صمموا على التجمع والاتحاد وبعد الاتحاد يشكل هؤلاء الأفراد كلا تسيره إرادة مشتركة. وفي البدء تعبر هذه الإرادة عن ذاتها تعبيرا مباشرا. لكن مع تزايد عدد الشركاء وانتشارهم فوق أرض واسعة، يغدو التعبير المباشر عن الإرادة أمرا عسيرا ويعهد المواطنون عندئذ بالتصرف بجزء من الإرادة القومية وبالتالي بالسلطة، إلى وهكذا تتشكل الإرادة التمثيلية … " عن ف – فولغين، فلسفة الأنوار [ترجمة هنربيت عبودي، بيروت، دار الطليعة)، ص 358، وارد بمؤلف
بعض منهم.
محفوظ … م س، ص 165.
د. مهدي
128