حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ١٣٠الفصل الأول:
:
منهم
ظهور وارساء دولة القانون
بأخذ رأيهم في تعيين النواب الذين هم أقدر الناس على اتخاذ القرارات. و بذلك يمكن لأولئك الذين لا يتوفرون على الأهلية لمزاولة شؤون الحكم أن يمنحوا ثقتهم إلى مواطنين آخرين هم أدرى بالصالح العام وبتأويل الإرادة الشعبية … )
1
فهكذا، وظف أنصار أطروحة "السيادة الوطنية" مفاهيم الأمة، والتمثيلية، والتفويض لإعادة صياغة
منهم
أن
مبدأ المواطنة، وحصر قاعدة المشاركة على من يستوفون شروط التعلم، والسن، والثروة، ظنّا الديمقراطية لا تقاس بالكثرة، والعدد، بل بالقدرة على تمثيل الأمة والتعبير عن تطلعاتها بكفاءة واقتدار
وحكمة.
وفي المرحلة الثانية، ومقابل أطروحة " السيادة الوطنية، كما صاغت أسسها النظرية كتابات سييس"، تخللت "علاقة المواطنة" بـ" الديمقراطية" اجتهادات اعتمدت مفاهيم مغايرة من حيث المنطلقات والأبعاد والنتائج، بفعل عديد التغيرات التي طالت بنية المجتمعات الأوروبية، ومست مدركاتها السياسية، فمقابل سيادة مفاهيم الأمة والتمثيلية والتفويض، برزت مبادئ ومصطلحات جديدة أهمها ثنائية " الحرية المشاركة / Participation-Liberté ، التي شكلت أساس مشروعية النظم السياسية، والدساتير المؤطرة لها. فتأسيسا على هذه المعادلة لم تعد " المواطنة" مقتصرة على المستوفين شروط تمثيل الأمة والتعبير عن إرادتها، بل غدت حقا يتقاسمه الجميع دون قيد ولا شرط حقا غير قابل للانقسام، أو التفويت … وهو ما عبرت عنه أطروحة " السيادة الشعبية، كما أصلتها كتابات "ج. ج. روسو" ودافعت
والتفويض
على رجاحتها.
لقد أشرنا في مقام سابق أن فكر "روسو" يرتكز على مقولة "الإرادة العامة" التي ليست مجرد انصهار إرادات الأفراد فحسب، بل " القاعدة الأساسية للحكم والسلطة"، إذ هي التي تسن القانون، وتراقب تنفيذه، وتعتبر عن حاجيات الأفراد ومطالبهم وأغراضهم. وحيث أن " الإرادة العامة" تركيب نوعي لإرادات الأفراد، فإن لكل واحد من هؤلاء نصيبا فيها، يتمتع به بمساواة مع نظرائه .... إنها المساواة التي أوعز ليها "روسو" قوة الدولة وتماسكها وشروط استمرارها وانتظامها فهكذا ترتبت عن مقولة "الإرادة العامة"
عبد الهادي بوطالب، المرجع في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، ج 2: الأجهزة السياسية العالمية الكبرى نظمها ومؤسساتها وأشكالها (الدار البيضاء: دار الكتاب، ط 1، 1980). ص 50.
2 - Sadok Belaid. opt. Cit. P 15.
3 - فمن ما جاء في مؤلفه "العقد الاجتماعي" حول موضوع "المساواة " قوله: " أتريدون أن تعطوا للدولة التماسك؟ قربوا بين الدرجات القصوى ما أمكنكم ذلك، لا تقبلوا بوجود الأثرياء الكبار ولا المعوزين، لأن الحالتين وهما مما لا يمكن فصله بالطبع، مضرتان معا بالخير العام، فالحالة الأولى تخرج صانعي الاستبدادية والحالة الثانية تخرج المستبدين … ". راجع جان توشار تاريخ الفكر السياسي، (بيروت: الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، ط 2، 1983)، ص 340.
129