حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ١٣٣الفصل الأول:
ظهور وارساء دولة القانون
1،
(أ) - يرتكز فكر الأنوار على نصوص في غاية الأهمية من حيث الدقة والعمق، والثراء في موضوع الانتخاب والثقافة الناظمة له فهكذا نلمس في إنتاجات عديد الفلاسفة والمفكرين دعوات متتالية إلى الاعتراف بشرعية الاختلاف والتنافس والصراع المؤسس على الاحترام المتبادل ففي (وسيطه التيولوجي السياسي) أكد سپينوزا" (1632 - 1672) على أن " في حكومة ديمقراطية يتفق الجميع على التحرك، إنما ليس على الحكم ولا على التفكير وفقا للقرار المشترك. أي أن الرجال الذين لا يستطيعون جميعا التفكير بنفس الطريقة يقبلون بأن يكون للقرار الذي يجمع أكثرية الأصوات قوة القانون، مع الاحتفاظ بذات الوقت، بالقدرة على تعديل هذه القوانين أو استبدالها بقوانين أفضل بنظرهم. . بهذا الفهم، يكون "سبينوزا" قد صاغ أسس أحد أهم وأدق الثنائيات في الفكر السياسي الغربي الحديث والمعاصر، أي معادلة "الأكثرية - الأقلية". فالأغلبية تستمد شرعية حكمها من قانون الأكثرية، الذي يمنحها مشروعية التوجيه والقيادة، علما أن "الأقلية" وإن وجدت في موقع الامتثال لقاعدة الأغلبية، تحتفظ بكامل حقوقها في التعبير عن إرادتها والدفاع عن اختياراتها بأفق تغيير ميزان القوى لصالحها لكي تصبح قوة حاكمة، وهو ما عبر عنه جون لوك" بوضوح، حين عرف "الحرية" بقوله إنها: "وعي الذات .... وعي كل فرد لتمايزه عن الآخر "، وأعادت صباغته وتدقيقه كتابات كل من "مونتسكيو" (1689 - 1755)، في نظرية (الفصل بين السلطات)،، و"فولتير" (1694 - 1778)، في مقولة (الحرية السياسية)، و"دوتوكفيل" (1805 - 1859) في مؤلفه الخالد (الديمقراطية في أمريكا).
1
2
(ب) - إن فكر هؤلاء الفلاسفة الكبار وإن ساهم في تأصيل مفهوم الانتخاب وتوفير المسوغات النظرية الضرورية، له فإن التغيرات النوعية الحاصلة في الاقتصاد والمجتمع والذهنيات دعمت، بدورها، جهد هؤلاء، وسهلت قبول اجتهاداتهم وتمثلها على صعيد الإدراك والوعي، علما أن "التوافق" بشأن آلية الانتخابات والإقرار بضرورتها لم تخل من مقاومات وصراعات اخترقت المجتمعات الغربية ونخبها السياسية والفكرية. فقد لاحظنا عند الإحالة على أطروحة السيادة الوطنية، كيف اعتبر أنصارها الانتخاب وظيفة
_2
عن
226
نقلا: أندريه. هوريو، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية … م س، ص مونتسكيو أحد رموز الفكر الليبرالي الحديث … ساهم في الدفاع عن" "الحرية" وتأصلها على صعيد العلاقات بين مؤسسات المجتمع السياسي"، من خلال إيداعه"نظرية الفصل بين السلط"، كما فكر فيها وحدد مضمونها بكتابة روح القوانين الصادر عام 1748، وإلى حد ما المؤلفات المكملة له، ومنها: (نظريات حول أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم (1734)، و"الرسائل الفارسية (1721)، للتدقيق انظر، ف. فولغين: فلسفة الآنوار .... م س، ص 52 وما بعد. 3 من أفكار فولتير ونظرياته، دعوته إلى التخلص من ضغط الكنيسة ومعتقداتها الخاطئة، ومناداته بالحرية والمساواة في التمتع بالحقوق الطبيعية، وتأكيده على شرعية الاختلاف والمعارضة. كقوله: ( … ففي الحرية تكمن حرية الشخص الإنساني بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية تكمن حرية الكلام والصحافة والتعبير عن الرأي والتي تشكل الضمانة الأساسية لباقي الحريات الأخرى، وأخيرا حرية الاعتقاد التي تشكل الرد على التعصب الديني للكنيسة الكاثوليكية، وحرية العمل حيث يحق لكل إنسان أن يبيع قوته ومجهوده لمن يدفع له أكثر .... ) عن د. مهدي محفوظ: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث ..... م س، ص 118.
132