حماية الحريات ودولة القانون صالح دجال

حماية الحريات ودولة القانون

الجزء ١ · صفحة ١٣٥

:

ظهور وارساء دولة القانون

الفصل الأول: والتراضي حولها بالحوار البناء والاختلاف الموجه بالعقل، المستند إلى التسامح. يترتب عن الأخذ بفكرة التوافق شيوع منطق التنسيب أو النسبية في النظر إلى المجال السياسي، ومقاربة إشكالياته الكبرى. ففي المجتمع التوافقي يتعذر على أي فاعل سياسي، حزبا كان أم منظمة الادعاء بامتلاك الحقيقة دون سواه، مما يعني ضرورة التعامل مع الآخر، والإنصات، له والبحث بمعيته عن القواسم المشتركة لإدارة الشأن العام، مع ترك سلطة الاختيار للرأي العام يمارسها بنضج ومسؤولية، علاوة على أن المجتمع التوافقي يوفر شروط التداول على السلطة، إذ يعترف للأقلية بشرعية الوجود ويسمح لها بإمكانية تطوير قدراتها الذاتية للانتقال إلى سدة

الأغلبية الحاكمة.

(ب) بيد أن التوافق المشار إليه، لم يتحقق في التاريخ ويصبح عصب الديمقراطية، لو لم يتعزز بقيمة التسامح الديني الذي يحول دون جعل المعتقدات الإيمانية عامل شقاق واقتتال بين أفراد الشعب الواحد. فالقارئ الممعن في تاريخ أوروبا السياسي، يدرك دون تردد، كيف أن الديمقراطية استقامت وانتظمت ممارستها لحظة انتهاء فصول الحروب الدينية أو المذهبية، التي مزقت المجتمعات الأوروبية، وعطلت تقدمها الحضاري أو ما حدث في لبنان ويحدث في العراق باسم المذهبية الدينية أو الطائفية، علما أن المقصود هنا ليس الدين، باعتباره نصوصا مقدسة، بل التوظيف السياسي الذي يطاله، فتكون نتائجه المباشرة إشاعة التعصب الديني وتقليص دائرة الحريات كالاختلاف في الفكر والرأي والمعتقدات، فتوقيف العمل بالنظام الجمهوري في اسبانيا، غداة انقلاب 1931 مثلا، استند قادته (فرانكو)، ضمن مبررات أخرى، إلى الدفاع عن حرمة الكنائس وصد التهجمات عليها. (ج) يتعلق العنصر الثالث بمبدأ "التراضي consensus الذي عرفه "فرانسوا إقالد" F.Fwald بكونه " اتفاق داخل الاختلاف إنه لا يستبعد النزاعات بل يفترضها. فإن كان التصويت بالأغلبية يعكس الانقسامات، فإن التراضي يعبّر عن تشبث كل واحد بالارتباط مع الآخر رغم كل ما يفرقهما. فعندما نبرم عقدا فإننا نتفق بشأن ما قبلناه، أو عندما يتعلق الأمر بالتراضي فإننا نسكت عن الاختلافات التي بيننا إنه يعبر عن ارتباط تضامن خضوع متبادل للأطراف بغض الطرف عن ما يفرقها … بكيفية عسكرية بتأكيد كل طرف لاختلافه وتمايزه، دون أن يؤدي ذلك إلى التضحية

ومن

ثمة فإنه يسمح بمبدأ التضامن … ".

11

ينطوي التعريف أعلاه على عديد العناصر المميزة لمبدأ التراضي في الحقل السياسي. فمن جهة، يفترض نبذ الإقصاء وتأكيد منطق المشاركة، كما يستبعد قاعدة الإجماع ويقر شرعية الاختلاف. فالحكم الديمقراطي المؤسس على ثقافة التراضي لا يأخذ بحساب الأغلبية في صياغة السياسات العامة، بل يبحث

134