حماية الحريات ودولة القانون صالح دجال

حماية الحريات ودولة القانون

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

الفصل الأول:

ظهور وارساء دولة القانون

من

فتخصص القاضي في فرع واحد يمكنه من التحكم الكبير في مهامه والإلمام بكل ما يتعلق بها، إذ أنه الصعب، إنلم نقل من المستحيل أن يلم القاضي بنظم وأحكام جميع الفروع القضائية على تشعب وتعدد التشريعات والنظم القانونية، إذ أن التخصص يسمح للقاضي بتوحيد جهوده وتركيزها على فرع محدد يجعله بحكم المداومة على دراية وخبرة وكفاءة عالية بكل أحكام هذا الفرع، ويعتبر ذلك أكثر ضرورة بالنسبة لمن يتولى القضاء الإداري، لخصوصية هذا القانون وإجراءاته، ناهيك في الفصل في النزاعات ذات الطابع الإلكتروني.

وإذا كان للتخصص أهمية ودورا مؤثرا على كفاءة القاضي المهنية، فإن بعض الدول تأخذ به من باب التقسيم الإداري أو الوظيفي فقط، إذ غالبا ما يداوم القاضي على فرع واحد لمدة طويلة أو طوال مساره المهني، إذ ينتقل من فرع لآخر بصفة دورية، وهو الأمر الذي يحول دون الهدف المرجو من عملية التخصص.

وبالتالي فإن لتكوين القاضي وتأهيله المهني دورا مهما وحساسا في ضمان أدائه لمهامه على أكمل وجه، واحتكامه في ذلك للقانون وضميره المهني فقط، ودون أن يكون تابعا في ذلك لأي جهة أو تأثير خارجي، بما يضمن إلى حد كبير استقلالية القضاء.

-4 وجود هيئة قضائية تشرف على جهاز القضاء.

إن أهمية العناصر السابق ذكرها في دعم استقلالية القضاء، تتوقف وبشكل كبير على طبيعة الجهة أوالهيئة القائمة

بها، فإذ أوكلت مهام تعيين القضاة والإشراف على مسارهم المهني للجهات خارج السلطة القضائية، كالسلطة التنفيذية مثلا، فإن مجال التأثير في عمل القضاة يزداد، ويتقلص بالمقابل مبدأ استقلاليتهم في أداء مهامهم، إذ أن إشراف هيئة إدارية على مسائل القضاة ووظائفهم قد يفتح المجال لهذه الهيئات للتأثير على مهام القاضي والتدخل فيها، وبالتالي المساس بمبدأ استقلالية القضاء. وتفاديا لهذا التأثير الذي ينجر عن إشراف الهيئات الإدارية على وظيفة القضاء، تعمد العديد من دول العالم إلى وضع جميع المسائل المتعلقة بتعيين القضاة ومسارهم الوظيفي والمهني تحت إشراف هيئة قضائية عليا، تكون لها

صلاحية الإشراف على عمل القضاة: تعيينهم متابعة مسارهم المهني تكوينهم وتولي نظامهم التأديبي وتتجسد هذه الهيئات القضائية المشرفة على عمل القضاة في شكل مجالس عليا للقضاء، تتولى مهام الإشراف على كل ما يتعلق بجهاز القضاء وأدائه لمهامه مع اقتصار دور الإدارة على الإقرار والمصادقة على ما تتخذه هذه الهيئات من قرارات. ومن أمثلة هذه الهيئات المشرفة على عمل القضاة المجلس الأعلى للهيئات القضائية في مصر، والمنشأ بموجب القانون رقم: 82 سنة 1969، وكذا المجلس الأعلى للقضاء بالجزائر والمكرّس دستوريا.

1 ـ د. خالد سليمان شبكة، مرجع سابق، ص: 171.

2 - انظر المواد 149 الى 157

من الدستور الجزائري.

148