حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ١٧٥ظهور وارساء دولة القانون
الفصل الأول: - وبعيدا عن هذه الاختلافات في تحديد اختصاصات القضاء الإداري، فإن التطبيقات العملية للقضاء الإداري، وفقا للنظم القضائية السائدة، أصبحت في الوقت الحالي أكثر دقة في تحديد ولاية القضاء الإداري واختصاصه وذلك من خلال القوانين الإجرائية المتعلقة بسير أجهزة القضاء وتنظيمها. كما أصبح تحديد ولاية القضاء الإداري أكثر دقة من خلال تحديد الأعمال والأنشطة التي تخرج عن ولايته ولو كانت صادرة من قبل مرافق للإدارة العامة أو مستخدمة للوسائل العامة.
3 - الرقابة القضائية على أعمال الإدارة في الدستور الجزائري.
28
أقر دستور نوفمبر 1996 المعدل، بازدواجية النظام القضائي في الجزائر من خلال وجود نظامين قضائيين متوازيين، من جهة القضاء العادي الذي يفصل في المنازعات والخصومات بين الأفراد العاديين فيما بينهم، ومن جهة أخرى القضاء الإداري المختص بنظر الخصومات والمنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها.
وقد تأكد هذا التوجه القضائي من خلال نص المادة 152 فقرة أولى وثانية من الدستور والتي جاء فيها: «تمثل المحكمة العليا الهيئة المقومة لأعمال المجالس القضائية والمحاكم. يؤسس مجلس دولة كهيئة مقومة لأعمال الجهات القضائية الإدارية.»، حيث أن المادة أشارت إلى اختصاص كل نظام قضائي بهيئة عليا تتولى الرقابة على باقي الهيئات فيه بما يضمن استقلال كل نظام قضائي على الآخر، وإنفراد القضاء الإداري بنظر المنازعات والخصومات المتعلقة بالإدارة سواء في علاقاتها بالأفراد العاديين أو في علاقاتها بأجهزة إدارية أخرى.
أما الإقرار الفعلي بخضوع الإدارة للمراقبة القضاء فقد جسدها نص المادة 143 من الدستور والذي جاء فيه: «ينظر القضاء في الطعن في قرارات السلطات الإدارية.»، إذ يعتبر هذا النص الدستور الأساس الذي تقوم عليه الرقابة
القضائية على اعمال الإدارة في النظام الجزائري. رابعا: رقابة الهيئات الإدارية المستقلة:
على الرغم من ما تمثله صور الرقابة التي تم التعرض لها أعلاه من ضمان احترام الإدارة للقانون في تعاملها مع الأفراد وعدم المساس بحقوقهم وحرياتهم، فإن تشعب عمل الإدارة واتساع مجال عملها المستمر، زاد من حالات تجاوزها وخرقها للقانون وتعرضها لحقوق وحريات الأفراد.
حيث أصبحت بعض صور الرقابة على أعمال الإدارة المشار لها سابقا، لا تتوافق والتطور السريع في عمل الإدارة، بالإضافة إلى ما يكتنفها من نواقص، كاتصافها بالطابع العام في مراقبة عمل الإدارة، كما هو الحال بالنسبة للرقابة السياسية، أو التعقيد والبطء في إجراءاتها بالنسبة للرقابة القضائية، أو إمكانية انحيازها لجانب الإدارة كما هو الحال في الرقابة الإدارية.
من ثمة، كان من الضروري تعزيز هذه الصور التي يصفها البعض بالتقليدية في الرقابة على أعمال الإدارة، وإيجاد بدائل إضافية لضمان تقويم عمل الإدارة ورد مخالفتها وتجاوزاتها، إذ عمدت العديد من الدول إلى استحداث آليات جديدة لمراقبة عمل الإدارة بالتوازي مع صور الرقابة الموجودة، وتجسدت هذه الآليات الرقابية المستحدثة، في شكل
174