حماية الحريات ودولة القانون صالح دجال

حماية الحريات ودولة القانون

الجزء ١ · صفحة ١٩٩

ظهور وارساء دولة القانون

الفصل الأول: إذ يلعب الرأي العام في الدول الديمقراطية دورا هاما في توجيه السلطات الحاكمة بما يخدم مصالح المواطنين ويكفل التكفل الفعلي بانشغالاتهم، ومنها على الخصوص ضمان تمتعهم بالحقوق والحريات المكفولة لهم قانونا وعلى أكمل وجه.

وإذا كان الرأي العام هو حصيلة الأفكار والآراء السائدة في المجتمع، فإن تكوّن هذه القاعدة الفكرية يعد نتاجا لمجموعة من الفعاليات الشعبية التي تشترك في تكوين الرأي العام، والتي تشترك من حيث طبيعتها المدنية وعدم تبعيتها لهيئات السلطة العامة، وتختلف من حيث طبيعتها القانونية وأسس عملها. حيث تتنوع الهيئات والفعاليات المشكلة للرأي العام في المجتمع، مابين جمعيات شعبية وتنظيمات مدنية تشكل المجتمع المدني بمقابل المجتمع السياسي الذي تكون الأحزاب السياسية نواته الأولى، كما تبرز وسائل الإعلام والاتصال كفاعل مهم في تكوين الرأي العام وتعبئته في سبيل الدفاع عن قضايا المجتمع، سنتطرق فيما يلي لبيان أهم هذه الفعاليات ودورها كضمانات لحماية الحقوق والحريات في إطار دولة القانون وهي كالتالي:

- المجتمع المدني.

- الأحزاب السياسية.

- الإعلام.

1 - المجتمع المدني.

يعتبر مفهوم المجتمع المدني في السنوات الأخيرة للقرن الماضي وإلى اليوم من أكثر المفاهيم التي تلقى اهتماما متزايدا من طرف الدارسين والأساتذة الباحثين، سواء من الناحية الاجتماعية أو الحقوقية، إذ كان محل العديد من المناقشات والآراء الفلسفية الاجتماعية والقانونية حول طبيعة المفهوم وأهميته العملية.

وقد ارتبط ظهور هذا المصطلح بالفكر الغربي الأوروبي، على اعتبار أن الاستخدامات الأولى له كانت انطلاقا من عصر النهضة في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، ليعرف بعد ذلك هذا المفهوم تطورات واستخدامات مختلفة وصولا إلى ما هو عليه اليوم في الفكر والاستخدام المعاصر.

1

- أنظر:- د. داود الباز، حق المشاركة في الحياة السياسية، دار النهضة العربية، مصر، ص: 09 - 10 - 11 - 12. - د. عبد الكريم محمد السروي، الرقابة الشعبية على سلطة رئيس الجمهورية - دراسة مقترنة بين النظامين الدستوري المعاصر والإسلامي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2009، ص: 264 وما بعدها.

2

- إلا أننا لو أخذنا مصطلح المجتمع المدني وبمفهومه الحقيقي القائم على مجموعة من المبادئ، التي تتلخص أساسا في قيم التسامح والتعاون بين الأفراد وضمان التكافل والتضامن فيما بينهم، و تكريس حرية الرأي وحق الاختلاف، وتصفحنا الأحوال الاجتماعية والتنظيمية للحضارات البشرية المختلفة، لوجدنا أن هذا المفهوم قد طبق تطبيقا فعليا من قبل، وقبل ظهوره في الحضارة الغربية أو في الفكر الغربي بكثير، وذلك في إطار الشريعة الإسلامية. فبالرجوع إلى علم الاجتماع الإسلامي المستند إلى الحضارة العربية الإسلامية، وانطلاقا من النصوص والممارسات فإننا نجد أن مفهوم المجتمع المدني لا يعد مفهوما غريبا أو جديدا عن الحضارة الإسلامية، فالدولة والمجتمع والحكومة وفقا لتشريع الإسلامي والممارسات الفعلية، كانت في أغلبها دولة مدنية ومجتمع مدني، فليس في

198