حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ٢٣:
ظهور وارساء دولة القانون
الفصل الأول: وإذا بحثنا عن ذلك في بلاد الإغريق "في مهد الديمقراطية" - كما يقال - لوجدنا أن الحقوق الفردية لم يعترف بها من قبل الدولة أو الحكام إذ اقتصرت الديمقراطية فيها على حق ما يسمى بالمواطنين الأحرار في ممارسة الحكم دون أن تعترف لهم بحقوق أو حريات فردية في مواجهة الجماعة فكان بإمكان الحكام أن يسلبوا الأفراد أموالهم أو حرياتهم دون أن يكون لهؤلاء الأفراد القدرة على أن يحتجوا بحقوق مكتسبة أو حريات مقدسة لا تمس، فلم يكن للأفراد حرية شخصية، أو حرية التملك أو حرية العقيدة أو حرمة مسكن. وما قيل عن الإغريق يقال عن الرومان المعروف عندهم بإقرارهم لحقوق الأفراد تجاه بعضهم البعض ولم تقر الدولة للأفراد بحقوقهم حيث كانت مالكة لجميع الأراضي والأفراد لم يكن لهم على تلك الأراضي سوى امتيازات مؤقتة وقابلة للإلغاء في أي وقت.
بهذا لاحظنا أن المدنيات القديمة قد تجاهلت جهلا تاما فكرة إخضاع الحاكم لقواعد قانونية تسمو عليه أو تحد من سلطانه، أي قد غابت عنها فكرة الدولة القانونية، وكيف نبحث عن مبدأ المشروعية لدى الحاكم الذي يعد إلها أو منفذ للمشيئة الإلهة وسلطاته مطلقة لا تعرف القيود وليس لبشر أن يطلب الحساب من حاكم يملك الأرض وما عليها من بشر ومال ويتصرف فيهما كيف يشاء في الوقت الذي يحرم فيه المحكومين من أي حق في مواجهته.
ثانيا: فكرة الدولة القانونية عند ظهور المسيحية.
إن ظهور المسيحية ودعوتها إلى حرية العقيدة سمحت بإعطاء الحرية للأفراد وتخليصهم من السلطان الكلي للدولة وأعطت للإنسان وجودا مستقلا عن الجماعة بوصفه إنسانا له الحرية في عقيدته، وبذلك نزعت الفرد من ارتباطه الكلي بالجماعة وجعلت له وجودا مستقلا عنها على خلاف ما كانت عليه الحال في العصور القديمة، إذ بيت أن للإنسان طبيعة مزدوجة فهو روح وجسد وأن ما يتصل بالروح من عقيدة وإيمان بالله واليوم الآخر والبعث والحساب وما تفرضه هذه العقيدة من سلوك وتصرفات الإنسان داخل الجماعة أمر لا صلة للدولة بها إذ هو يتصل بالله وما دام يتصل بالله فإن "ما الله لله وما لقيصر لقيصر" وبهذا أخرجت المسيحية العقيدة وذلك كله من سلطان الدولة وسيطرتها وقانونها الوضعي وهو أول قيد يعلو على السلطان الكلى والشمولي للدولة. وبهذا يرى فقهاء القانون الدستوري أن المسيحية قد وضعت "النواة الأولى لتبدأ خضوع الدولة للقانون"1
د ثروت بدوي النظام السياسي، المرجع السابق. ص: 153
22