حماية الحريات ودولة القانون صالح دجال

حماية الحريات ودولة القانون

الجزء ١ · صفحة ٥٠

الفصل الأول:

ظهور وارساء دولة القانون

إنّ الدستور الجيد هو الذي يحاول أن يحمي الحقوق والحريات السياسية في المجتمع، في إطار نظام متكامل من الضوابط والضمانات وهذه الحقيقة تعتبر من أقوى الأسباب التي تجعل الشعوب تدافع عن دساتيرها وتتمسّك بها من أي محاولة للعبث بها أو الإساءة إليها. الفرع الثاني: مبدأ سمو القاعدة الدستورية.

يعني

يقصد بمبدأ سمو الدستور، علوّ القاعدة الدّستورية على غيرها من القواعد القانونية الأخرى المطبقة في الدولة، مما أنّ أي قانون يصدر من قبل السلطة التشريعية يجب أن لا يخالف الدستور شكلاً ومضموناً أي أنّ على الهيئات العاملة في الدّولة أن تمارس سلطاتها ومهامها وأن تؤدي صلاحياتها ضمن الإطار الذي حدده الدستور، فإذا خرجت عنه فإنها تهدم أساس وجودها القانوني أصلاً وبذلك تفقد الصفة القانونية، وإذا فقدتها زالت صفة الشرعية عن تصرفاتها، وعلى ذلك يتعذر تصوّر وجود لقانون بدون دستور. ومن هنا كان وجود الدستور أحد المقوّمات السياسية إن لم يكن أوّلها في إقامة دولة القانون.

وهكذا فإنّ وجود الدستور يعني إقامة النظام في الدّولة وبيان قواعد ممارسة السلطة فيها ووسائل وشروط استعمالها، ومن ثم يمنع كل استخدام للسلطة العامة لا تراعى فيه هذه الشروط أو تلك القواعد فالدستور يعدُّ الأساس لخضوع الدولة للقانون 1

ومبدأ علو الدستور مبدأ مسلم به في الدول الديمقراطية سواءً كانت ملكية أو جمهورية، لذلك قيل إنّه حتى يمكن القول أنّ هناك نظام دستوري ديمقراطي يجب أن يكون هناك قواعد عليا على الهيئة الحاكمة أن تحترمها

في كافة أعمالها وذلك تقديراً لمبدأ الشرعية وتدرج القواعد القانونية 2 وإلا أصبحت الدولة بوليسية. وكون القاعدة الدستورية أعلى مرتبة من القاعدة العادية وبالتالي لا يجوز في اغلب الأحوال للقاعدة العادية إلغاء أو تعديل القاعدة الدّستورية، الأمر الذي يكسب الثانية ثباتاً مستمراً واحتراماً ووضوحاً يسهل على كسلطة ممارسة اختصاصاتها في إطار المشروعية، علماً بأنّ الثبات لا يعني الجمود المطلق بل يعني الجمود النسبي الذي يتطلب إجراءات أكثر تعقيداً من تعديل القاعدة العادية. وعلى ضوء تلاقي مبدأ المشروعية ومبدأ سموّ الدّستور لا يسمح للقاعدة العادية أن تخالف أو تتعارض مع نص القاعدة الدستورية أو روحها وإلا كانت غير مشروعة بل وباطلة علماً أنه يقع استثناء على هذه

1

Michel Troper، la suprématie de la constitution، in Utopies entre droit et politique، Etude en hommage à claude couvoisia (collection société) édi، Université Dijon 2005، p: 259.

ص 188 من

هذا البحث).

235

2

- لقد خصصنا مبحث خاص لمبدأ تدرج القواعد القانونية (انظر 3 - د/ مصطفى أبو زيد فهمي، " مبادئ الأنظمة السياسية"، منشأة المعارف 1976

ص

49