حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ٥٢الفصل الأول:
:
ظهور وارساء دولة القانون
أن حرية الفرد ملغية تماماً أمام سيادة الدولة المطلقة ولكن الدولة هى مجتمع سياسي منظم وهي تصبح حقيقة واقعة فقط حينما يتم الاعتراف لها بالقوة والنفوذ على الأفراد وحينما يسلك هؤلاء بطريقة تعبر عن طاعتهم وامتثالهم لهذا النفوذ وعلى الرّغم من أنّ بودان Bodin هو أوّل من حلّل مفهوم السيادة في جمهوريته عام 1576 إلاّ أرسطو أشار من قبل إلى القوّة العليا للدولة لكن يبدو أنّ السيادة كسمة رئيسية من سمات الدّولة القومية هي نتاج لظروف القرن السادس عشر.
ثانيا: القانون الدستوري والسيادة اعترض بعض الدارسين على وجهة نظر الوضعيين التي مؤداها أنّ الدّولة ذات سيادة محدودة على أساس أن القانون الدستوري هو السلطة العليا ومن ثم فإنّه يفرض بعض القيود على سلطة الدولة ولكي يواجه الوضعيون الانتقادات التي أثيرت ضدّهم ذهبوا إلى أنّه طالما أنّ الدّولة تستطيع في أية لحظة تعديل الدستور فإنّ سيادتها ليست مقيدة أو محدّدة بالقانون الدستوري فالحكومة هي التي تعتبر مقيدة بالقانون الدستوري ويذهب الفقهاء الدّستوريين إلى حدّ عدم إعطاء هذا القانون أية مكانة عليا إذ في رأيهم ليست هناك تفرقة بين قانون أعلى وآخر أدنى، يقول Getll " إنّ الدّستور يختلف عن القوانين الأخرى في الطبيعة والهدف وليس في الصدق القانوني، فهو شأنه شأن القوانين الأخرى يعدّ تعبيراً عن إرادة سيادة الدولة وليس قيداً مفروضاً عليها.
غير أنّ روبرت ماكيفر 1 يعترض على وجهة النظر الوطنية هذه ففي رأيه أنّ النظريات القديمة في سيادة الدولة لم تحل مشكلة القانون الدستوري في مواجهة هذه السيادة ففي كلّ مجتمع اليوم يكفل الدستور بعض الحقوق ويحدّد بناء الحكومة ويضع القواعد الأساسية المتصلة بالعلاقة بين الحكام والمحكومين. إنّ القانون الدستوري يختلف أساساً عن القانون المادي في طابعه وفي الإجراء الذي يفرضه فالأخير لا يحدّد نظام الدولة بقدر ما يحدّد نظام المجتمع وجزاؤه مستمدة من الدولة ولكن الأوّل يحدّد بناء الدولة وجزاؤه مستمد من المجتمع ذاته.
على أنّ فكرة القيد الدّستوري للدولة مستمدة من تصوّر خاص لطبيعة الدّولة - فالدولة – كما يقال هي تجمع أو رابطة من نوع معيّن تهتم بأغراض محدّدة وهكذا فإنّ الدّولة خاضعة للمجتمع والقانون الدستوري يعكس مجموع القوى والآراء الاجتماعية السائدة فهو يستند إلى الإرادة العامة للمجتمع ككل والدولة بدورها تعتمد على هذه الإرادة.
1 - روبرت ماكيفر، " تكوين الدولة، ترجمة الدكتور حسن صعب، بيروت، 1970.
51