حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ٥٤الإرادة هي
ظهور وارساء دولة القانون
الفصل الأول: الدول لها الأولوية على إرادة أية دولة معينة ضرورة سياسية وهكذا يمكن التوصل إلى نتيجة مؤداها: أنّ إرادة أية دولة يجب أن تخضع لإرادة تعلو عليها وتبطلها في الأمور العامة التي تهتم العالم تماماً كما يخضع الفرد لمجموعة الأوامر القانونية التي تضعها الدّولة والواقع أنّ هارولد لاسكي يذهب في تحليله إلى أبعد من ذلك فهو يقرّر أنّ بإمكاننا أن نتبنى نظرية للقانون على افتراض أنّ مصدر الأخير هو إرادة مجموعة الدول وأنّ هذه أصلاً فوق كل الإرادات الأخرى في الحضارة الحديثة وبناءً على هذا الفرض تقيد الدولة صفة السيادة ويجب أن تخضع لمنطق أحوال العالم الذي تعتبر هي جزءاً منه وإنّ مطالبتها بحرية الإرادة المطلقة أمر يستحيل قبوله مثله في ذلك مثل مطالبة المواطن بالحق القانوني في إرادة حرة غير مقيدة. وهناك من المفكرين من يحاول التوفيق بين النظرة إلى سيادة الدّولة وبين أولوية القانون الدولي فقد لاحظوا من ناحية القانون الدولي أنّه مجرّد قانون وطني ما دامت قوّة نفاذه تتوقف على قبول الدولة له وأصروا من ناحية أخرى على أنّ القانون الدولي ما دام قانوناً نافذاً ساري المفعول فهو نظام كامل في حد ذاته ومستقل عن إرادة كل دولة على حدى وليس له أية صلة بها، إلاّ أنّه يمكن الرّد على وجهة النظر هذه بأنّ قبول الدول لقواعد القانون الدولي ليس راجعاً إلى أنها اختارت هذه القواعد بل لأنّها في الحقيقة لم يكن أمامها أن تفعل غير ذلك ولا فائدة من التمسك بنظرية القبول التي يغلب عليها الطابع الوهمي، بينما لا يحتمل أن يكون القانون الدولي نافذاً، ما لم تقبل الأطراف الخاضعة له أن يفرض عليها فإنّ هذا يصدق أيضاً على قانون الدولة ذاتها وجعل الطابع القانوني للقانون الدولي يتوقف على نجاح ذلك القانون عند تطبيقه يعني من الناحية الشرعية أي يطبق عليه قواعد قانونية لا يحلم المشرّع بتطبيقها على القانون الوطني لأنّ شرعيته – بناءً على مسلمات المشرع - تستند فقط لمصدر قادر على وضع القواعد الخاصة فهي بالنسبة إليه مسألة قدرة بحتة، وهو مضطر إلى أن يرفض الفروض التي تدخل معايير مبنية على اعتبارات أخرى كذلك لا يعتبر الرأي القائل بأنّ القانون الدولي نظام مستقل بذاته ولا يعتمد على القانون الوطني رأياً أكثر إقناعا من سابقه لأنّ العرف العام للقانون الدولي هو تنظيم سلوك المواطنين الذين يعشون على وجه التحديد في دول ولا يمكن أن يتحقق هدفه إلا عن طريق تنفيذ إرادة الدّول بغايته ولكي يتم ذلك لا مناص من تساميه الذاتي على تلك الإرادة
ونحن مضطرين إلى أن نسلّم بأنّ قانون الدولة مشتق من ذات الفروض التي يتطلبها القانون الدولي. ولابد في الأخير أن نشير إلى أن وجود الدستور دون توفر مقومات أخرى تقوم عليها دولة القانون لا يكفي لتحقيق هذه الأخيرة، بل ولا يؤدي أحيانا إلى تحديد السلطة بل إلى تقويتها، الشيء الذي يسمح
53