سيرة ابن قيصر (سيرة الإمام ناصر بن مرشد) [نسخة ثانية] عبد الله بن خلفان بن قيصر الصحاري

سيرة ابن قيصر

الجزء ١ · صفحة ١٥

قلما بلغ أولئك الأقوام مولانا الإمام المظفر ، فما لبث أن قام في ذات الله وشمر ، ودعا شوكته بكل غضنفر ، فصارت الرجال بأنديته تتزاحم ، والأبطال بشريف ساحته تتراكم ، فأم الإمام بالجيوش للهناوي ببهلا ، واستعان بذلك العزم وبالملك الأعلى ، حتى ملأت العساكر وعراً وسهلا ، ثم دخلها بالجحافل ليلة من الليالي ، ودارت بها جميع صناديد الرجال ، وشمرت عن سواعدها جحاجحة الأبطال ، وكان الدخول فيها ليلة عيد الحج الحرام ، فحصرها الإمام شهرين إلا ثلاثة أيام ، بعد ما اشتد ما بينهم النزال والصدام ، ثم أقبلت جيوش الجبور لنصرة الهناوي ، فالتقتها جحافل الإمام كما رواه الراوي ، فتصادمت الأبطال بالأبطال ، وامتد قسطل الماقط فاستطال ، حتى كفر بفرعه آفاق الخضراء وعفر عوائق الأقوام سمالق الغبراء ، وقتل شجاع من جيوش الجبور ، وهو الدهمشي قاسم بن مذكور ، وكذلك كل مقدام للصداع مشهور ، فرجعت عنه الجبور وبقي من معه محصورين ، واستبشرت فئة الإمام إذ لا يزالون منصورين ، فاستبد الهناوي برأي من معه من المقربين ، بعد ما آيس من الناصر والمعين ، في أن يقاتل ما استطاع على الدوام ، أو أن يسلم الحصن لمولانا الإمام ، فاتفقت آراؤهم أن يسلموا الحصن للإمام المنصور ، حين انقطع عنهم الناصر وسارت عنه الجبور ، فسلم الحصن وخرج منه برجاله وجميع آلة حرب وماله ، وبقي الحصن بعد القوم خالياً ، فأخذه الإمام وجعل فيه من جنابه والياً ، ثم رجع الإمام إلى نزوى مقره حامداً مولاه على ما أولاه من خالص بره ، شاكراً إذ كفاه ألم ضده ودفع ضره ، ما زال منصوراً ما بقيت الجوزاء والشعراء وقال المصنف في ذلك شعرا :

إمام له التأييد من ربه الأعلى =فساد الملا وعراً وسادها سهلا

وعمت به الخيرات في كل بلدة =وقد ملئت من حسن سيرته فضلا

فما أحسن الدنيا وأنورها به =أكملها فعلا وأجملها عدلا

به افتتح الله البلاد جميعا =إذا أمها بالجيش قالت له أهلا

١٥ / ٤٦