سيرة ابن قيصر
الجزء ١ · صفحة ٣٧ثم أقبل الجيش الذي كان بجلفار ، قاصداً قرية دبا مع رجال الدهامش يقطعون الأقفار ومعهم خميس بن محزم معتصمين في قصدهم بالواحد الملك الغفار ، وكان خميس بن محزم مجداً مجتهداً مشمراً في ذات الله إذ ياله ، باذلا في الجهاد حينئذ نفسه وماله ، وكان بقرية دبا حصن بساحل البحر للنصارى ، فدخل جيش المسلمين البلد ليلاً أو نهاراً ، واستولى على جميع أهلها ونخلها جهارا ، فحصر النصارى جيش الإمام ، وبنوا فيها صيصاً مشمخراً لا يرام . فاستدلت له دولة المشركين غاية الإستدلال ، وبعثوا به رسلهم يومئذ في الحال ، فصالحهم الوالي المؤيد بالتمكين ولحقن دماء المسلمين ، ولا ستراحتهم من الرخام والقرار إلى حين .
فأقام المسلمون بحصن دبا رجلا من الثقاة آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر ومعهم بعض الشراة ، ثم رجع المسلمون منصورين على الشرك وأهله ، ماحياً الضلال وبهيم جهله ، فرحين بما آتاهم الله من فضله ، حتى قدموا على مولانا الإمام بنزوى فاستبشر بقدومهم عليه وباستفتاح الصير إذ هي بالمسافة القصوى ، فأثنى الإمام على واليه حين امتثل لديه حاكياً له عن افتتاح الصير ودبا ، وما هو بين يديه ، فحمد أمره وشكر سعيه ، وخلع عليه فنال مولانا الإمام بذلك مجداً وفخراً ، حين أيده وحباه عزاً ونصراً ، وقال المصنف شعراً :
لقد رجعت جيوش المسلمين =إلى نزوى الشريفة ظافرينا
بإجلال وتأييد لنصر =وعز لم يزل للمسلمينا
وذلك من إله حباه =إماماً عادلا ثقة أمينا
قد افتتحوا صياصي البلد جميعاً =وجاءوا بالمسرة فائزينا
وقد زالت لهم طوعا عمان =وكان لحربه المولى معينا
ومن صور قد افتتحوا حصوناً =إلى الصير القصية أجمعينا
وقد محى الضلال وقد تولى =وقد خضعت له رقاب الظالمينا
أدام الله ظلا نحن فيه =بطيب مسرة طول السنينا
ولا زالت طوالعه سعوداً =منورة تضئ العالمينا
ولا زلنا نكف به الأعادي =ولا زال الإمام لنا وفينا