المجلد الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٥٣53
من سلطانها أو أملاكها على حساب جيرانها المسلمين بل فضلت أن تتاجر مع بربر الصحراء الكبرى وسكان الوحات، ثم مدت تجارة قوافلها عبر الصحراء الكبرى الى قبائل السودان وعلى عكس ما فعلت ممالك المغرب وسلاطينهم من غير الأباضية من الذين أرسلوا الحملات الى بلدان أفريقيا ذيما وراء الصحراء الكبرى فاستولوا على ثرواتها من الذهب والفضة والعاج والجلود واسترقوا أهلها وباعوهم فى سوق النخاسة، لقد فضلت ممالك الأباضية التعاون والتجارة الحرة عن طريق مقايضة معدن الملح بالذهب مع نشر العلم والدين بين القبائل الافريقية.
ولم يرد فى كتب التاريخ مطلقا أى اتهام للأباضية انهم مارسوا تجارة العبيد في أقطار السودان، بل قام علماؤهم بارشاد حكام تلك البلاد وتشجيعهم على توحيد بلادهم وهكذا قامت سلطنات التكدود ومالى وغيرهم نتيجة لجهود الأباضية فى الوقت الذي عمل فيه ملوك المغرب الآخرون على تدمير هذه الممالك الاسلامية الافريقية واضعافها حتى أصبح يسيرا على الاستعمار الأوربى أن يبتلعها ابتداءاً من القرن الثامن عشر، ولو بقى الأمر كما رغب الأباضيون لظلت تلك الممالك قوية حتى أواخر القرن التاسع عشر على أقل تقدير
وحتى اليوم لازال سكان جبل نفوسة والزاوية الغربية في ليبيا وسكان شط الجديد فى جنوب تونس والمزابيون فى الهضاب الوسطى بالجزائر على المذهب الأباضى، ويعد الأباضيون فى ليبيا من أنشط السكان وأكثرهم تقى وورعا، أما المزابيون فى الجزائر فقد اشتهروا فيها دوما بغيرتهم على الاسلام حتى أنهم صارعوا الاستعمار الفرنسي لا صراعا دينيا برفض التبشير المسيحى فحسب، ولا صراعا سياسيا برفض الجنسية الفرنسية التي عرضتها عليهم فرنسا، بل قاوموا فرنسا اقتصاديا أيضا باحتكار التجارة في الجزائر ومقاومة الاستسلام الاقتصادى لفرنسا ولازالوا حتى اليوم