المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٧١YI
الأبحاث الأثرية فى مختلف أرجاء تلك المنطقة بحثا عن أقدم القرى والمواقع المستقرة لأول مرة فى تاريخ الانسان وتنبغى الاشارة في هذا المجال الى مواقع العصر الحجري الحديث في بلاد الرافدين والمتمثلة في قرى ملفعات وجرمو وحسونه وجميعها تقع في شمال شرقى بلاد الرافدين ومواقع قرى سيالك وباكون وجيان فى الهضبة الايرانية وقرى العمق بصفة خاصة في تل الشيخ وتل عطشانه فى شمال سوريا وقرى تشاتال وهاكيلار جنوب الأناضول وجبيل فى لبنان وموقع تل السلطان فى فلسطين ومواقع الفيوم ومرمدة بنى سلامة وحلوان العمرى ودير تاسا فى مصر وغيرها من المواقع الصحراوية المكتشفة حديثا فى الصحراء الغربية لوادى النيل الأدنى وشبه الجزيرة العربية. ولاشك أن هذه الدفعة الحضارية الكبرى في تاريخ الانسانية والتي نجح انسان منطقة الشرق الأدنى القديم فى احداثها والتي ثبت بالدراسات المقارنة اسبقيتها على كافة المواقع الأخرى فى العالم في عملية اكتشاف الحياة الزراعية المستقرة وبناء القرى وبداية الاستقرار في المجالات الفكرية والخاصة بالاعتقاد في بعض القوى الإلهية وانشاء المعابد الخاصة بها وكذلك الاعتقاد لعملية استمرار الحياة الدنيوية الى ما لانهاية في العالم الآخر، قد أثرت تأثيرا فعالا على كافة أرجاء الحياة الانسانية في منطقة الشرق القديم بل وفى المواقع المحيطة بها. وقد عثر أيضا في بعض تلك المواقع الأثرية على مراحل التطور التدريجى فى الانتقال من مجتمع العصر الحجرى القديم الأعلى الى مرحلة العصر الحجرى الحديث. مما يؤكد استمرارية التطور الحضارى فى تلك المنطقة. ويلاحظ أن ذلك التطور كان تطورا إقليميا، أى أن الانسان فى كل اقليم من منطقة الشرق القديم كان يتطور محليا وينجح بوحى من المقومات البيئية المحلية الى تحقيق الانتقال الى مستوى التطور الحضارى فى العصر الحجرى الحديث خلال الألف السادس قبل الميلاد، وبينما تتجه بعض الآراء الى الاعتقاد في وجود نوع من المصلات الحضارية المتبادلة بين أقاليم المنطقة فى تلك المرحلة فإن النماذج الأثرية التي عثر عليها في حفائر تلك المواقع تدل على أنها نتاج محلى صرف. ولكن سرعان ما اتجهت تلك المجتمعات والقرى المبكرة الى تحقيق