أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ٢٨الفصل الثاني
الحجاز، عزلة سياسية واغراق في اللهو
يروى عن الطبري بسنده عند حديثه عن معركة قديد (1) واصفا جيش الحجازيين بما يلي: فنزل قوم مغترون ليسوا بأصحاب حرب».
وجاء في الأغاني «فوجه والى المدينة) ثمانية آلاف رجل من قريش والأنصار والتجار اغمار لا علم لهم بالحرب فخرجوا في المصبغات والثياب الناعمة واللهو)
،
لماذا لم يكن أهل المدينة أصحاب حرب وكانوا قوما مغترين على حد تعبير الطبري، وغيره؟ هذا ما سنعرفه في هذه السطور بشيء من الاختصار غير المخل.
كل مسلم عندما يذكر عنده الحرمان الشريفان يهتز كيانه ويتصور الا يكون هناك الا ما يقارب الكمال من الرجولة والشجاعة والتقوى والورع خاصة في القرن الأول لهجرة رسول الله لكن سرعان ما يتبدد هذا التصور ويحل محله العكس تماما أو يكاد ولم يكن ذلك من
باب الصدفة وانما هو تخطيط السياسة التي عرفنا من اخطبوطها في ما سبق، فإذا ما تتبعنا قائمة أسماء الولاة الذين ولاهم الأمويون بعد ان استأثروا بعاصمة الخلافة في دمشق ـ على الحجاز بما فيها مكة والطائف والمدينة وجدنا أن ثلثهم أو اكثر من الأسرة الحاكمة والبقية من الموالين لها من الثقفيين والمخزوميين، كأن أمر الحجاز محجور على أهله.
مع العلم أن السلطة المركزية قد تجعل واليا واحدا على الحجاز وقد تفرد لكل من الحرمين واليا، وقد تضيف إلى أحدهما الطائف وفي بعض الأحوال تكون الجزيرة كلها بما فيها لوال
واحد).
وبهذا ندرك كيف ابعدت الدولة الأموية ابناء المهاجرين والانصار عن عالم السياسة حفاظا على كيانها لأنهم نازعوا مؤسسها من يومها الأول ما كانوا من أهل العراق من صف الامام علي، ولم يكن معاوية لينقصه الذكاء وهو من أكبر دهاة العرب فعمل على إغداق الأموال على
1) سنفصل الحديث ان شاء الله عن هذه المعركة في المحور الرابع ضمن أخبار أبي حمزة الشاري. 2) الطبري - تاريخ 328/ 4 - الأغاني 23/ 121.) لزيادة التفصيل أنظر ـ ابن خلدون - تاريخ عمال بني أمية على النواحي 287/ 3 - 303.
- 33 -
—