الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٥٨:أولا قيام الدولة العبيدية
(1)
155
ومن ثم فإن عهد المعز لدين الله قد شهد عودة المصادمات بين أصحاب الاتجاهات السياسية المختلفة فقد ورد أن الناصر بنى مركبا لم يعمل مثله، وخرج هذا المركب قاصدا بلاد المشرق يحمل أمتعة وقد التقى بمركب للعبيديين في عرض البحر كان قادما من صقلية فاعترضه وأخذ الكتب التي به إلى المعز وقد اجتهد العديد من الباحثين في تفسير هذه الحادثة وركز بعضهم على أهمية الكتب التي كان يحملها المركب العبيدي القادم من صقلية إلى إفريقية، بل ذهب بعضهم إلى القول بأن الكتب التي كان يحملها المركب العبيدي كانت تحتوي على خطط لغزو الأندلس (2)
ولكن هذا الرأي لا تدعمه الحجة والوثائق كما أن رواية الحادثة نفسها يكتنفها الغموض، ولكن لا يستبعد أن يكون الحادث عرضا وأن الامويين حاولوا معرفة رد الفعل العبيدي لهذه الحادثة وبالفعل فقد كان رد العبيديين على هذه الحادثة سريعا حيث أمر المعز لدين الله واليه على صقلية الحسن بن علي الكلبي (3). بالتوجه إلى المرية قاعدة الأسطول الأموي بالأندلس وتدمير ما يمكن تدميره من سفن الأمويين فأقلع الأسطول العبيدي باتجاه المرية حيث استطاع أن يحرق السفن التي كانت راسية بها بما في ذلك المركب الكبير الذي اعترض مركب العبيديين وذلك عام 344 هـ / 9955، ورجعوا بعد أن حققت الحملة التأديبية
(1)
(2)
(3)
النعمان: المجالس والمسايرات، ص 164، وعنه ينقل ابن الأثير: الكامل 349/ 6. العبادي: في التاريخ العباسي والفاطمي ص 244. وينقل العبادي عن دوزي Dozy قوله إن: ص الرسائل التي كانت بالسفينة العبيدية القادمة من صقلية كانت تحمل مشروع هجوم عبيدي على الأندلس وهذا الأمر مستبعد ذلك أن خطط كهذه تتم دراستها ورسمها في المهدية، وتحت سرية كاملة لا في صقلية، وأن المركب كان قادماً من صقلية لا ذاهباً إليها. فلو كان هذا المركب ذاهباً لقلنا من الممكن أن يكون المركب يحمل مشروع خطة هجوم على الأندلس، وأن صاحب هذا المركب ربما حمل هذا المشروع لتنفيذه من قبل والي العبيديين في صقلية. ويكتفي النعمان بالقول بأن الأندلسيين أخذوا أمتعة للقارب، وأخذوا الخريطة التي بها كتاب عامل صقلية دون أن يذكر مضمون الرسالة وكان من الممكن أن يفصح عن ذلك لو كانت الرسالة تخص مشروع هجوم عبيدي على الأندلس. تولت أسرة الكلبيين حكم صقلية على عهد الخليفة المنصور العبيدي، وقد ظل حكمهم للجزيرة زهاء مائة عام، ويعتبر عهدهم أزهى عهود الرقي في صقلية الإسلامية. انظر: إحسان عباس: العرب في صقلية، ص 44 وما بعدها.
(4) ابن الأثير: الكامل 249.6.