الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٦٤

:أولا: قيام الدولة العبيدية

161

وإذا كان المغرب الأوسط والأقصى قد شهدا فترة من النزاع وبسط النفوذ السياسي بين الأمويين وبين العبيديين، فإن المنطقة الواقعة شرق إفريقية العبيدية وبخاصة طرابلس وبرقة لم تكونا أكثر استقرارا من باقي أجزاء بلاد المغرب، فقد كانت سياسة العبيديين القائمة على استعمال القوة في إخضاع المناطق التابعة لها قد طبقت في طرابلس وبرقة أيضا.

خامسا: سياسة العبيديين في طرابلس وبرقة

أول ما يلفت النظر أنه بمجرد استقرار العبيدييين في إفريقية، وقفت مدن طرابلس وبرقة موقفا غريبا بالنسبة للحكومة المركزية التي تتبعها كل منها. ولكن هذه الغرابة لا تلبث أن تزول إذا عرفنا أن رغبة أهالي المدينتين هي الاستقلال عن جارتيهما الكبيرتين ليكون لهما كيانهما الخاص وشخصيتهما المستقلة، وأنهما كانتا تنجحان في تحقيق تلك الغاية بين الحين والآخر.

وانتهزت المدينتان فرصة الانقلاب السياسي الذي حدث في المغرب، فأقدمنا على تجريب حظهما في التحرر فقامتا بالثورة في وقت متقارب على حكومتيهما. فكان خروج طرابلس على طاعة العبيديين عام 298 هـ 911 م. عندما ثارت قبائل هوارة بقيادة أبي هارون الهواري، وتحالفت معها في العصيان جماعات من زناتة ولماية، وزحف الجميع إلى المدينة وضربوا حولها الحصار. لكن عبيد الله المهدي تمكن من تشتيت الثوار فأخرج اليهم قائده أبازاكي تمام بن معارك الأجاني، الذي قتل منهم مقتلة عظيمة، وبعث رؤوس القتلى إلى رقادة حيث

نصبت (1)

ورغم الحملات التأديبية والانتقامية التي وجهها عبيد الله المهدي ضد لماية وزناتة، فإن هذه الثورة كانت تمهيدا لثورة المدينة بعد سنتين، ففي سنة 300 هـ/ 912 - 913 م. أعلن أهل طرابلس العصيان وقتلوا الحامية الكتامية وانتخبوا من بينهم قائدا يدعى محمد بن إسحاق المعروف بابن القرشي، ووجه المهدي لتأديب المدينة الثائرة ابنه القاسم نفسه الذي كان حضر لتوه من حرب العصاة في بلد

(1)

ابن عذاري: البيان 163/ 1