الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٢٠١

198

الاتجاهات الثقافية في الغرب الإسلامي

وعندما أنهى أبو حنيفة مراحل تعليمه الأولى، احترف التجارة فأصاب منها ربحا كبيرا ولكن الحياة الثقافية المزدهرة بالكوفة استهوته فجالس علماءها فترة من الزمن ثم أخذ يتنقل بين مجالس العلماء وحلقاتهم ليتفقه في العلوم اللسانية، والشرعية، حتى أصبح أحد الأعلام المشهود لهم بالكفاءة في العلم.

ولم يكتف أبو حنيفة بما حصل عليه في الكوفة، بل ذهب إلى البصرة أيضا، وقد كان العراق في أيامه يشهد تقدما في مجالات العلوم المختلفة، وكان حافلا بعلماء الحديث والفقه وأصحاب الفلسفة اليونانية وغيرهم من أصحاب الأهواء والملل والنحل، فمال أبو حنيفة في بداية أمره إلى علم الكلام، حتى أصبح أحد أعلامه وناظر أصحاب الفرق الكلامية حتى أصبح مشهودا له في قوة الحجة ولكنه أعرض عن ذلك واتجه إلى علوم الشريعة والفقه في الدين معرضا عن علم الكلام، وفي ذلك يقول أبو حنيفة: كنت رجلا أعطيت جدلا في الكلام فمضى دهر كنت فيه أتردد وبه أخاصم، وعنه أناضل وكنت قد نازعت الخوارج الإباضية، والصفرية وغيرهم، وكنت أعد الكلام أفضل العلوم، ثم علمت أنه لو كان فيه خير لتعاطاه السلف فهجرته» (1)

ورغم أن أبا حنيفة قد تخصص آخر الأمر في الفقه وعلوم الشريعة، فإن تضلعه في علم الكلام قد أكسبه مقدرة فائقة على الحجة والمناظرة، وإمعان العقل في التفكير، وظهر ذلك جليا واضحا في منهجه الاجتهادي فيما بعد.

والملاحظ أن أبا حنيفة رغم اعتماده مذهب أهل السنة، والذب عن الإسلام، فقد تأثر في آرائه التشريعية الاجتهادية ببعض النظريات الفلسفية. وقد ظهر ذلك جليا فيما أبداه من آراء جريئة اعتمد فيها على العقل، وقد رفع أصحابه شعارا يقولون فيه: إنا نستعد للبلاء قبل نزوله، لذلك نراهم يلجأون إلى التقدير وافتراض الصور والمسائل قبل حدوثها على أرض الواقع، ويفرضون لها أحكاما وحلولا قياسا على مشابهاتها (2).

وهنا يمكن أن نستنتج أن العالم مهما يكن عظيما فإنه لا يعدو أن يكون مرآة

.78 - 77

أبو زهرة: المذاهب الإسلامية، ص المجدوب، عبد العزيز: الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، ص

.22 21

(1)

(2)