الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢الرحلة في طلب
199
عاكسة لعصره وبيئته فما هو نطق إذ نطق وإنما عصره نطق على لسانه، وما فكر إذ فكر، وإنما هو يحكي أصداء عصره، فوجود الاتجاهات المذهبية والعلمية المتعددة في البيئة التي عاش فيها أبو حنيفة قد انعكست على آرائه وأحكامه. وهذا خلاف للمالكية، إذ إن مالكا عاش في بيئة تختلف تماما عن بيئة أبي حنيفة، وقد انعكست أيضا على آرائه، فقد كان المالكية إذا سئلوا عن مسألة قالوا: دعها حتى تقع. وعندما تقع ينظر في شأنها استنادا إلى الكتاب والسنة أو اعتمادا على القياس الواضح البين.
وقد عرف أصحاب أبو حنيفة بأصحاب الرأي، وذلك لما كانوا يثيرونه من مسائل ويفترضون من وقائع وقضايا ويسألون بمقتضى هذه الصيغة: أرأيت لو وقع كذا؟.
.
وقد أدى وجود مذهبين في بلاد المغرب، وهما مذهب مالك، ومذهب أبي حنيفة إلى وجود نوع من المنافسة بين علماء المذهبين - خاصة في إفريقية زمن الأغالبة، وقف خلاله علماء مذهب مالك تساندهم أغلبية من العامة موقف المعارضة من علماء مذهب أبي حنيفة، الذي كانت تسانده السلطة الحاكمة في إفريقية، لأنه مذهب الدولة الرسمي. فكان القاضي بالقيروان في الغالب من أتباع مذهب أبي حنيفة، ولكن بوجود قاعدة كبيرة من العامة تدعم علماء مذهب مالك لذا وقف علماء المالكية ندا قويا في مواجهة أتباع مذهب أبي حنيفة، وأمراء الأغالبة وبخاصة في قضايا مهمة مثل قضية تحليل النبيذ التي يقول بها الأحناف (1). وقضية القول بخلق القرآن التي ظهرت بالمشرق زمن الخليفة العباسي المأمون (198) - 218 هـ / 813 - 833 م ودخلت إفريقية من هذا الباب.
وقد أثارت هذه القضايا جدلا كبيرا بين علماء المذهب المالكي، ونظرائهم الأحناف الذين كانت تساندهم السلطة الأغلبية في القيروان، ومهما يكن من أمر فإن المناظرات التي حدثت حول تلك القضايا وغيرها من القضايا الشرعية المختلف عليها قد أثرت الحياة الثقافية، وظهرت فيها القدرة على المجادلة
L
أسد بن
(1) المالكي: رياض النفوس 288/ 1 ويعطي صورة حول النقاش الذي دار بين الفرات وأبي محرز قاضي إفريقية في حضرة الأمير الأغلبي زيادة الله حول تحليل النبيذ.