الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٢٠٤

الرحلة في طلب العلم

201

بعض القضاة الأحناف الذين وصفهم أصحاب كتب الطبقات المالكية بالعسف والقسوة في إصدار الأحكام، وهذا الحكم من جانب المالكية - رغم المبالغة - يرجع إلى ممارسة بعض قضاة الأحناف وتعسفهم ضد علماء مذهب مالك، فقد أورد الخشني أسماء عددا من قضاة الأحناف بإفريقية، وصف بعضهم بالجور

والعسف وعدم الاحتكام إلى الحجة والإقناع ومن بين هؤلاء ابن عبدون القاضي الذي امتحن على يديه بعض علماء المالكية. منهم ابن عبدون العطار وابن المدائن وأبو القاسم مولى مهرية وغيرهم وكان الأمير الأغلبي إبراهيم بن أحمد يقول بعد عزله: الو ساعدته لجعلت له مقبرة على حدة» (1)

على أنه من الجدير بالملاحظة أن أغلب علماء المذهب الحنفي قد اعتنقوا طواعية المذهب الشيعي - عندما حلّ العبيديون مكان الأغالبة - وتولوا مراكز قضائية وغيرها في دولة بني عبيد خلافا لأتباع مذهب مالك الذين كانوا أكثر تمسكاً، بمذهبهم ومقاومة للسلطان ولعلّ ذلك يرجع إلى أن الإمام مالك، كان في حياته يحرض أتباعه على عدم تقلد المناصب، والاكتفاء بالدفاع عن العامة،

وحقوق الناس، وفق تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة (2)

2 - الشيعة بإفريقية وموقف علماء مذهب مالك منهم:

كان لقيام الدولة العبيدية بإفريقية أثره الواضح على الاتجاه الثقافي في بلاد المغرب خلال القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي. إذ إنه رغم تعاطف أهل المغرب مع آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلّم ومع علي وأبنائه لما لحق بهم من مآسي تبلورت في التأييد الواضح لقيام الدولة الإدريسية منذ عام 172 هـ / 787 م. ولكن المذهب الشيعي قد دخل بلاد المغرب قبل قيام دولة الأدارسة بزمن قصير - حسب المصادر الشيعية - التي تشير إلى أن رجلين أحدهما يدعى أبا

(1)

(2)

الخشني: م. س ص 242 ويذكر أنه استطال على طبقة المدنيين (أي أتباع مذهب مالك). كتب الطبقات إلى العديد ممن عملوا في دولة بني الأغلب الأحناف ثم دولة العبيديين الشيعة بعدهم، ومن أمثال هؤلاء أبو الميسر الرياضي، وأبو هارون البغدادي، وكثير من قضاة الأحناف، انظر حول هذا الاتجاه الخشني علماء إفريقية، ص وما بعدها، حيث يذكر من تشرق من الأحناف عقب دخول العبيديين إلى إفريقية.

.292