الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨الرحلة في طلب العلم
205
وهذه الواقعة تبطل ما ذهب إليه السنيون في الطعن على عبيد الله المهدي بل إن الاسماعيلية يذهبون إلى القول أن عبيد الله المهدي أنقذ العالم بإزالة الضلال، ونشر الدين الحق ويرون أن المهدي خرج في وقت حاد فيه الناس عن الإسلام بكثرة البدع، وتزعم أئمة الضلال: فكان خروج المهدي، ودعوته الجديدة إلى الإسلام، الصحيح ولكن أتباع المهدي بالغوا وغالوا فيما قالوه عن المهدي: أنه قائم الزمان … الذي يجمع الله له أمر العباد، ويظهره على الدين كله (1) وقد يفهم مما نسبه أتباع المهدي إلى أن هذه الدعوة والدولة العبيدية إنما تطمح لجعل العالم الإسلامي تحت رايتها.
ولو أخذنا بما كتبه الإسماعيلية في عبيد الله المهدي، لكان كثير مما وصف به السنيون المذهب الإسماعيلي غير صحيح، ولكن ينبغي ولكن ينبغي أن نعي أن كتب الإسماعيلية مثل المجالس والمسايرات، ودعائم الإسلام للنعمان بن حيون المغربي أو غيرها من الكتب التي دونت بعد ذلك مثل كتب الداعي ادريس عماد الدين القرشي فإنها لا تمثل الواقع لأن كتب الظاهر التي استخدمها الإسماعيلية للردّ بها على أهل السنة، تتفق إلى حد كبير مع مذهب أهل السنة على عكس كتب الباطن التي توضح حقيقة المذهب الاسماعيلي، والتي كانت تطبق فعليا في إفريقية مما دعا علماء المالكية بها إلى الوقوف في العبيديين ومناصرة الثورات التي قامت
ضدهم.
وجه
وفي ذات الوقت لا يمكن تصديق جميع ما رمى به السنيون - والمالكية على وجه الخصوص … عبيد الله المهدي، ولكن يمكن أن نفسر ويشيئ من الاطمئنان أن عبيد الله المهدي كان مخلصا لقواعد المذهب الإسماعيلي، ويعتقد أن حركته حركة إصلاحية جاءت لتنتشل الإسلام وتخلصه مما علق به من شوائب تستوجب حركة إصلاحية شاملة فحاول المهدي إدخال هذه القواعد والتغييرات، وحاول فرضها بكل الطرق والوسائل التي رفضها أهل إفريقية - على وجه الخصوص - ووقف أتباع مذهب مالك رافضين ما أظهره العبيديون وعدوا ذلك كفرا، ووصفوا عبيد الله المهدي بالخبث والعداوة للإسلام، وأنه يتستر وراء التشيع، وأنه حريص
(1)
ابن: عذاري م. س 186/ 1، ويذكر مبالغة الدعاة في عبيد الله المهدي، إذ قال أحدهم لأهل القيروان: «إنه يعلم سركم ونجواكم.