الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢١٠الرحلة في طلب العلم
207
في المغرب فهل كان المسلمون الأوائل يتعصبون لإمام معين؟ وهل كان الأئمة يدعون أتباعهم للتعصب إلى مذاهبهم؟
والواقع أن المسلمين كانوا حتى خلال القرنين الأول والثاني الهجريين / السابع والثامن الميلاديين يأخذون فتاويهم الفقهية عمن يعرفون كفاءته في الفقه من المجتهدين كائنا من كان فيعملون بما يفتيهم به رغم معرفتهم لاتجاهات ومدارس
فقهية.
ومنذ منتصف القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي تبلورت المذاهب، وتحددت مناهج الأئمة، وأصبح لهم أشياع وأتباع يتعصبون لآرائهم فانقسمت الأمة إلى أحناف ومالكية، وشافعية وحنابلة، وكذلك إلى معتزلة، وأشاعرة، وشيعة في مرحلة أخرى. على أن الأئمة لم يكن يدور بخلد واحد منهم أن الأمة ستتفرق إلى شيع وطوائف تنحاز إلى إمام تتعصب له، وتأخذ بقوله دون سواه، إنما كان مطمح الأئمة المشهورين الأربعة أو غيرهم من المجتهدين دراسة الشريعة وفق أحكامها لتبصير الناس بما فرضه الله عليهم حتى لا يضلوا سواء السبيل في أقوالهم
آمال
وأفعالهم، ولم يهدفوا إلى تحصيل شهرة أو إشادة الناس بهم أو إخمال ذكرهم. وقد دعا الأئمة تلاميذهم إلى الاجتهاد وشجعوهم على البحث والمثابرة العلمية، وحذروهم من التبعية والتقليد، وأوضحوا لهم أن آراءهم عرضة للخطأ والصواب ولا يجوز الأخذ بها إلا بعد التيقن من صحتها فهذا أبو حنيفة يقول: علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه فهو أولى بالصواب، ويروى أنه قال أيضا لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا حتى يعلم أين قلنا، ويعني بذلك قياس الأحكام على أشباهها بدقة (1)
وإن الإمام مالك الذي يوصف لدى البعض بالتشدد في الأحكام كان هو الآخر يصرّح بقوله: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي كلّ ما وافق
(1)
ابن عبد البر: الانتقاء في فصائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، ص 140، وينقل عن أبي حنيفة قوله: هذا الذي نحن فيه رأي لا يجبر أحداً عليه ولا نقول يجب على أحد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به.