الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٢١١

208

الاتجاهات الثقافية فى الغرب الإسلام

الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه». وكان يقول: «إن هذا العلم دين فانظروا ممن تأخذونه» (1)

وهذا الإمام الشافعي يقول لصاحبه الربيع: يا أبا اسحاق لا تقلد في كل ما

أقول، وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين.

وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يقول لتلاميذه: انظروا في أمر دينكم فإن التقليد لغير المعصوم (يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلّم) مذموم، وفيه عمى للبصيرة، وقال أيضا: لا تقلدني ولا مالكا ولا الشافعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا.

ولذلك كان هؤلاء الأئمة مثالا وصورة مشرفة لتواضع العلماء المجتهدين الذين يمقتون التعصب، ويحترمون الرأي لذاته لا لقائله، فهم يعرفون الرجال بالحق ولا يعرفون الحق بالرجال.

ولكن ما حذر منه الأئمة وقع فيه التلاميذ، فقد عمل هؤلاء جهدهم في نشر آراء الأئمة بين الناس، وهو أمر طبيعي ومنطقي، ولكن الانعكاسات السلبية في ذلك تكمن في تعصب التلاميذ لآراء أئمتهم، وأصبحوا يدورون في فلك آراء الإمام، ولا يكادون يخرجون في اجتهادهم عليها، وعامة الناس كانوا أتباعا لهؤلاء التلاميذ فكان أن مالت كل جماعة إلى إمام تعول على آرائه دون غيره، ولعلّ السبب في مضاعفة حِدَّة التعصب للأئمة هبوط المستوى العلمي عند العامة لعوامل مختلفة مما أدى بهم إلى إضفاء صفة القداسة على آراء بعض الأئمة وتعصب أتباع كل إمام تعصبا كريها إلى درجة أنه يروى أنه حدث في بعض العصور اقتتال في المساجد بين أتباع الأئمة، وهو أمر يدعو إلى الأسف لأن هذا التعصب لو وقف عند حد المناظرة، والجدال النزيه لأدى ذلك إلى إثراء الثقافة الإسلامية، وفتح باب الاجتهاد والحوار المنطقي البعيد عن التعصب والمغالاة.

ولما كانت الأحكام الكلية في الشريعة مستوحاة من كتاب الله العزيز، وما ورد في الحديث الصحيح، فإن الأئمة لم يختلفوا في هذا الجانب، وكان

21

ابن فرحون الديباج ص

(1)