الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢١٢الرحلة
في طلب العلم
209
اختلافهم في الفروع (الأحكام الفرعية) ومن ثم لا يجوز التأكيد على رأي من آراء أحد الأئمة بأنه صحيح وغيره خطأ لأن آراءهم اجتهادية، ولم يكن أي من الأئمة يعتقد صواب رأيه دون من سواه، ورحم الله من قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
ووفقا لهذه النظرية المنطقية للمذاهب الفقهية يكون من الغلو والمبالغة التعصب لآراء إمام تعصبا يزدري أقوال سواه ولا يجعلها خليقة بالاتباع، كما لا يجوز المبالغة والتفكير لدى أصحاب المذهب الواحد باعتقادهم أنهم أمة وحدهم، إذ إن التجرد والموضوعية وعدم التعصب تفرض على كل مؤمن أن يكون سمحاً، وأن ينظر إلى التراث الفقهي للأمة جميعه تنتفع به في حاضرها لاسيما في قضايا المعاملات المالية تيسيرا للناس ورفع الحرج عنهم.
إن الإسلام واحد في عقيدته والخلاف في الرأي أمر فطري، ولكن يجب ألا يكون سببا للتفرق لأن المذاهب الفقهية في أساس نشأتها آراء اجتهادية فلا يجوز أن تؤدي إلى تعصب وإنما تظل آية وشاهداً على ديناميكية الفكر الإسلامي المتحرّر وخصوبته وثرائه (?).
العلماء
وإذا كانت هذه الصورة لأتباع المذاهب، فإن هذا الاتجاه القائم على أساس التعصب لمذهب من المذاهب قد وجد في بلاد المغرب وبخاصة في إفريقية، زمن الأغالبة، وبصورة أكبر زمن العبيديين أرضية صالحة لإذكاء روح التعصب فانقسم الناس فريقين مالكية تدعمها العامة ويشرف عليها عدد كبير من يتولون رعايتها ومتابعتها جيلا بعد جيل احتدم النزاع فيها أول الأمر بين المالكية والأحناف، زمن الأغالبة ثم بين المالكية والشيعة العبيديين في المرحلة الثانية. القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي).
قفي عهد الأغالبة تعصب الأحناف الذين كانت تساندهم الدولة بمؤسساتها، فأوكلت إليهم في أغلب أيامها مهمة القضاء، مما حدا ببعضهم إلى التعصب للمذهب، وملاحقة أتباع مذهب مالك، والكيد لهم عند أمراء بني الأغلب الذين وجدوا في انقسام المجتمع فرصة لتأمين كرسي الإمارة من السقوط، فانتقل الصراع
(1)
دسوقي محمد في الثقافة الإسلامية، ص 20 وما بعدها.