الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٢١٥

212

الاتجاهات الثقافية في الغرب الإسلامي

ومن ثم يمكن أن نستنتج أن هذا الخليط من السكان الذي كان يحمل ثقافات متعددة ثقافة العراق وفارس والأندلس، والقيروان، وإن توحدت هذه الفئات الاجتماعية في اتباع مذهب واحد، وهو المذهب الأباضي فإن ثقافتها التي جاءت بها من منابعها الأصلية كانت تختلف، ولعل الوصف الذي وصف به المقدسي تاهرت يدل على ما أدخله هؤلاء الوافدون على تاهرت من ثقافة شملت جميع مظاهر الحياة حيث يقول في وصفها: " … هي بلخ المغرب» … انتعش فيها الغريب واستطابها اللبيب يفضلونها على دمشق، وأخطأوا، وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا. . . ثم يعود المقدسي إلى القول في وصف تاهرت بقوله: المحكمة الرصف عجيبة الوصف. . . (1).

وهذا الوصف لتاهرت دليل على ما وصلت إليه هذه المدينة من تقدم وتطور في مجال الفلاحة، وذلك لكثرة أشجارها، ووفرة مياهها وعظمة بساتينها، إذ إنه لا يستبعد أن يكون للخراسانيين والبصريين والكوفيين والأندلسيين، والقرويين دور في هذا النهوض الاقتصادي المدعم بثقافة هؤلاء الوافدين في مجال الفلاحة، والصناعة، والبناء، والنحت والزخرفة خاصة وأن تاهرت قد عرفت - زمن الرخاء - ببناء القصور الفخمة العجيبة على أن التقدم الذي شهدته تاهرت كان سريعا، ولا أدل على ذلك من أن الوفد القادم من البصرة - في المرة الثانية - قد لاحظ اختلافا كبيرا في التطور المادي الذي شهدته، تاهرت حيث رأى الدور قد شيدت، والقصور قد بنيت والمزارع قد أنت أكلها حتى إن الإمام عبد الرحمن رفض تلك الإعانة، لأن تاهرت أضحت تعيش في رغد من العيش.

(2)

وكان لتوافد الخوارج من مصر والعراق والجزيرة العربية، وفارس على تاهرت أن أصبحت مركز إشعاع ثقافي للعديد من الثقافات، والمذاهب المتنوعة من مالكية وخوارج ومعتزلة فاق عددهم الثلاثين ألفا. وقد وجدت هذه الفرق المناخ الملائم لها وذلك بما وفره التاهرتيون من حرية الرأي والمناظرة والجدل البعيد عن التعصب، والغلو مما حدا بابن الصغير «المالكي» إلى القول: « .... من أتى إلى حلقات الإباضية ناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية

(1)

(2)

المقدسي: أحسن التقاسيم، ص

ابن الصغير: م. س،

ص

.38

.24 - 22