الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣220
الاتجاهات الثقافية في الغرب الإسلامي
في مدن سبتة وطنجة والبصرة وأصيلا كما رعى أصحاب نكور منذ أيام سعيد، ابن صالح العلم والثقافة، ولكن مراكز كثيرة منها قد خفت حدتها الثقافية باستثناء سبتة التي استمرت - حتى نهاية القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي - ولعلها كانت أكثر أمنا واستقرارا وبعدا عن مناطق النزاع الأموي والعبيدي. بسبب تبعيتها للأمويين في الأندلس طيلة القرن الرابع الهجري.
ولعل من نتائج التواصل الثقافي الذي كان ملتقاه مدينة فاس، وغيرها من مدن المغرب الأقصى هو استمرار انتشار مذهب مالك بفضل طبقات العلماء المتتالية. وقد تميز هذا الانتشار لمذهب مالك بعدم التعصب الذي كان يحدث في إفريقية زمن الأغالبة أو مع المذهب الشيعي الإسماعيلي زمن العبيديين، ولكن اتسمت الثقافة المذهبية في بلاد المغرب الأقصى وبخاصة في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي بعدم التعصب وترك حرية اختيار المذهب دون إكراه أو
تعصب.
وبفضل سياسة أتباع مذهب مالك في بلاد المغرب انتشر المذهب على نطاق واسع وزاد أتباعه مما جعل بعضهم يعتقد أن الفضل في انتشار مذهب مالك بالمغرب الأقصى يرجع إلى دراس بن اسماعيل (ت 357 هـ) الذي أدخل مدونة سحنون إلى بلاد المغرب الأقصى، وبواسطته انتشر المذهب المالكي
(1)
على أن انتشار مذهب مالك في بلاد المغرب الأقصى كان ثمرة جهود بدأت منذ عهد إدريس الأصغر وجهود قاضيه القيسي واستمرت دون انقطاع بفضل الإشعاع الثقافي بجامع القرويين الذي قام بخدمة هذا المذهب منذ تأسيسه عام 245 هـ وذلك بما خرجه من علماء رحلوا إلى بلاد المشرق والأندلس ورجعوا وهم ممتلئون علما ورواية فأخذ عنهم من لم يستطع الرحلة من مواطنيهم وتكاثفت جهودهم لإثراء الثقافة في بلاد المغرب الأقصى، ومن هؤلاء على سبيل العد لا الحصر أحمد بن فتح الميلي، وأبي هارون البصري الذي كان أول من أدخل كتاب ابن المواز إلى الأندلس ودراس بن إسماعيل وجبر الله بن قاسم الفاسي وأبي جيدة بن أحمد وأبي محمد الأصيلي وابن أبي غافر، وعيسى بن
(1)
عياضي: المدارك 816 وما بعدها.