الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥222
الاتجاهات الثقافية في الغرب الإسلامي
هذه الأمثلة وحسب تبين الأثر الثقافي للرحلة، وتدل على أن المدن الواقعة في الطريق إلى الحج أو التجارة كانت تحظى باستقبال العلماء من المشرق أو المغرب أو الأندلس على حد سواء.
وفي سنوات المحن كانت الهجرة بين طبقات العلماء من طرابلس وبرقة إلى مصر أو صقلية أو الأندلس هربا من حكم العبيديين - خاصة وأن اتباع مذهب مالك في طرابلس كانوا يرون الخروج بعيدا عن العبيديين - أو طلبا للمناصب ولا أدل على ذلك أننا من نسمع ألقاب الطرابلسي والبرقي والسرتي - والأجدابي وغيرها في مصر وإفريقية والأندلس، فقد هاجر هؤلاء وانقطعت صلتهم بمدنهم الأصلية. فكان الشاعر أبو الحسن البرقي مداح الحاكم بأمر الله في مصر، واثنان من أبناء الوداني من شعراء صقلية، وأحدهما صاحب ديوان الرسائل. وكان من الطبيعي أن يزداد الاهتمام بالعلم والثقافة وتزداد الرغبة في الرحلة تبعا لذلك مع مرور الزمن واتساع قاعدة المثقفين في مختلف العلوم، فمن الملاحظ أن المغاربة في جميع عواصم المدن قد شغفوا بطلب العلم والرحلة إليه فما سمعوا بعالم ـ لا سيما في علوم القرآن والفقه والحديث - إلا كانوا حاضرين عنده ناهلين من فيض، علمه راجعين بكل ما أملاه أو شرحه، وكان العالم إذا تلقاه طلبة العلم وتحلّقوا حوله ليروي لهم ما حصل له من العلم، وكان الطلاب تبعا لذلك يدونون في أوراقهم ويوثقون المعلومات التي يلقيها عليهم القادم من الرحلة، فكان ذلك سببا في توسيع قاعدة الثقافة، وقاعدة الحاصلين على العلوم في مختلف اتجاهاتها نظرية كانت أو عملية ولم يكن القادمون من الرحلة أقل رغبة من الطلاب الراغبين في التحصيل، فكان العالم إذا رجع من رحلته جمع طلابه وألقى عليهم كل جديد حصل عليه وكانت معلوماته قابلة للنقاش والجدل والمحاورة والمناظرة لا سيما من نظرائه من العلماء - حتى تنضج تلك المعلومات وتصبح قليلة الخطأ عظيمة الفائدة سريعة الانتشار ليس في بلاد المغرب فحسب، لا بل تتجاوزها إلى الأندلس وصقلية في أغلب الأحيان، وقد تجد طريقها إلى المشرق أيضا.
رجع
والسؤال الذي يطرح نفسه، ما هي العوامل التي ساعدت على انتقال الثقافة من المشرق إلى المغرب؟ وما هي مجالاتها؟ إذا ما استثنينا سنوات الفتح وملابساتها حتى أرست الثقافة الإسلامية