الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠الرحلة بين المشرق والمغرب
227
ولعل السبب الذي جعل زرياب يسرع الخطا إلى الأندلس، أن افريقية كانت تشهد حالة من الفوضى بسبب ثورات الجند على الإمارة الأغلبية، إضافة إلى أن الأندلس كانت أكثر أمنا لزرياب لبعدها عن مركز الخلافة في بغداد، وعداء الأمويين في الأندلس للخلافة العباسية.
أما مؤنس البغدادي فاستقر في إفريقية، وكان يلقن الجواري الغناء في قصور رقادة أسوة بما كان يجري في بغداد) وكان يحضر مجالس الأمراء ويطربهم ويسليهم بأنغامه وتوقيعاته الفنية باستعمال آلة العود والطنبور
(1)
والواضح أن تأثير المشرق على بلاد المغرب في فن الغناء والموسيقا وآلاتها استمر بصورة منتظمة رغم أن كتب التاريخ لا تشير في أحيان كثيرة إلى من وفدوا من المشرق من المغنيين وقد تكتفى في أحيان كثيرة بمن كان لهم أثر كبير في هذا المجال، فقد ذكر الرقيق القيرواني - المعاصر للدولة الزيرية - أن رجلا قدم على الحاجب عبد الوهاب يوما وقد أعياه تعب السفر، ومشقة الطريق، وسأله عبد الوهاب: من أين الرجل قال له من البصرة، وقد أظهر الرجل فنا رائعا. طرب له الحاجب عبد الوهاب الذي اشتهر عنه أنه كان يحيي ليالي السمر، وقد تبين أن
الرجل البصري كان مغنيا مبدعا وبقي مدة بالقيروان ثم ذهب إلى الأندلس.
ومنذ قيام دولة الأغالبة في إفريقية فإنهم بذلوا جهدا كبيرا في استقطاب ذوي المواهب من الفنانين وقد جعلوا لهذا الغرض سفيرا مقيما في بغداد لدعوة النبغاء المجالات ومن بينها المجال الفني فأدى ذلك إلى قيام نهضة موسيقية
في جميع
تشبه إلى حد كبير تلك النهضة الفنية التي كانت عليها "بغداد
(2)
على أن الرقيق القيرواني أورد عبارة قال فيها: وعلى هذا الحال كان يفعل الحاجب عبد الوهاب بكل طارئ يطرأ عليه من المشرق، ولو ذكرتهم لطال الكتاب وعبارة الرقيق هذه التي نقلها حسن حسني عبد الوهاب، تفيد أن حركة الفن قد ازدهرت في إفريقية - زمن الزيريين - كما ازدهرت في باقي بلاد المغرب وأن الوافدين من المشرق من الموسيقيين والمغنيين كانوا كثيرين شأنهم في ذلك
(1)
(2)
عبد الوهاب، حسن حسني: ورقات 2/ 178. ن. م، ص
.212. 208/ 1